مَن هو المبرمج العربي ؟
يمكن تصنيف المبرمج العربي إلى قسمين :
المبرمج الأكاديمي و المبرمج الهاوي ...
فالمبرمج الأكاديمي هو الذي جلس على مقاعد الدراسة و بدأ المشوار من الصفر ...
لازلت أذكر كيف جلسنا على مقاعد الدراسة بداءً من سنة 1975 وما بعدها ، نتعلم بيزيك و فورتران وغيرها و كيف نقوم بترتيب الرقم 1 و الرقم 0 بمصفوفات مختلفة لتكوين جملة ..
كانت البرمجة تلك الأيام الخوالي ، شيئاً أقرب إلى الألغاز و حل الشيفرة ، فعليك كمبرمج أو مبتدئ في البرمجة أن تكتب دائما السطور نفسها كبداية و السطور نفسها كنهاية و لاحول و لاقوة إلا بالله

..
فعلا كانت البرمجة أنذاك شيئاً أقرب إلى تطويع الصخرة الجامدة ليصبح لها قدَمَين و ساقين و جسد له معالم محددة ، ليبدأ الحركة بعدها كما تتحرك الحلزون أو السلحفاة ...
لم يكن حينها للبرمجة ذاك الوهج أو النور خاطف الأبصار الذي نراه هذه الأيام ....
يجلس المبرمج أياماً و ساعات لتجهيز برنامج يحسبه المتابع شيئاً عبقرياً ...
وفي النهاية يقول لك المبرمج أو ( المهندس الكهربائي ) : هذا البرنامج يجعل شريط الأضواء المتصلة بسلك واحد تشتعل و تنطفئ بشكل متتابع ..
أو بشكل متقطع ..
أو تخرج كلمة أو جملة واحدة تسير من اليمين إلى اليسار ...
و بسرعات مختلفة ..
أو ساعة رقمية ....
وبعد البرمجة تحتاج لعمل شريحة من النحاس المتقطع و المتصل حيث يتم تقطيعه في المطبعة على شريحة من مادة عازلة كالفايبر و باستخدام أحماض مختلفة ..
يعني بصراحة كانت تلك الأيام صعبة جداً جداً ، و مهنة المبرمج في غاية الصعوبة ، فـ مَن ذا الذي سيفهم إمكانياته ؟ و مَن ذا الذي سيستفيد من إمكانياته و يدعمه كي يقوم بإخراج مثل تلك الأعمال إلى النور ؟؟
في تلك الأيام كانت كلمة ( المبرمج ) شيئاً غامضاً لا معالم له ...
هل هو مهندس ؟ أم صيدلي ؟ أم دكتور ؟؟؟ أم مخترع ؟؟
لم تكن مجتمعاتنا في تلك الأيام تستوعب معنى كلمة ( مبرمج ) !
ثم مَن هذا الذي يمتلك جهاز كمبيوتر تلك الأيام ؟؟
و كيف ستجعل هذا الجهاز الأصم يعمل ؟؟
وتلك الشاشة الزرقاء الخرساء تنطق و تتفاعل ؟؟
في تلك الظروف خرجت ( شركة صخر ) إلى النور و حاولت أن تصنع شيئاً ما للمستخدم العربي ...
و بدأ الأكاديميون من المبرمجين يتقاطرون إليها لتقديم خبراتهم و محاولة شد الرحال و تحريك تلك العجلة إلى الأمام ..
فعلاً تلك ذكريات يحسبها أحدنا منذ مئات السنين لما كانت عليه من سنوات عِجاف ، و بخاصة للمبرمجين العرب ... ، فيما أنه لم ينقضِ عليها إلا 30 عاماً لاأكثر ..
ولله درّ شركة مايكروسوفت ...
التي نجحت في إخراج ذاك المارد من قمقمه ليملأ الأرض و مَن عليها مبرمجين و مُبرمِجات ...
فما أن خرج ويندوز 3 إلى الوجود حتى تقاطر الفطاحل من المبرمجين العرب يعرضون خدماتهم على مايكوسوفت ..
و هكذا سيطر برنامج ويندوز على سوق البرمجة العربية و سارت القافلة في ركابه تلهث و تترنح أحياناً و تكبو أحياناً أخرى للحاق به ..
فأين ويندوز 3.1 و 3.11 هاقد جاء ويندوز 95 الذي خطف أبصار الدنيا و مَن عليها ...
و مع انتشار ويندوز 95 بين المستخدمين العرب بدأ مشوار التفاعل البناء بين المبرمجين العرب خصوصاً أولئك الذي تمكنوا من دخول الإنترنت مبكراً ...
عام 1996 و 1997 في موسكو كنت أجتمع دائماً بأحد الطلاب السوريين مبعوث من جامعة دمشق إلى جامعة موسكو للاختصاص في ويندوز 3.1 .... 
و انتهى من اختصاصه عام 1998 ..
فحين صدر ويندوز 98 كان هذا الشاب يرجع إلى جامعة دمشق ليقوم بتدريس ويندوز 3.11 للأكاديميين العرب طلاب البرمجة في جامعة دمشق ..
هذا المثال البسيط يعطيك فكرة عن مقدار البطء في عِلم البرمجة في بلادنا العربية ....
و لاأعتقد أن الحال كان يختلف كثيراً في سائر البلاد العربية ..
والله أعلم .
كانت هذه نظرة خاطفة و مختصرة جداً ، لحال البرمجة في بلادنا العربية حتى صدور ويندوز 98 .. و بداية عصر الإنترنت حين مدّ رأسه عبر الحدود العربية ..
و لا ينبغي أن ننسى أن مايكروسوفت نفسها استفادت من خبرات شركة صخر و استوردَت بعض المبرمجين العاملين لدى شركة صخر و غيرها إليها ..
و طبعا يجب أن لاننسى أن أغلب الذين ظهروا إلى النور في تلك الأيام عبر الإنترنت هم الطلاب العرب الذين يدرسون في خارج الوطن العربي ، و أما الذين لم يخرجوا إلى الشرق أو الغرب فكانوا ينتظرون دخول الإنترنت إلى بلادهم ..
نتيجة 2 :
حتى عام 1998 تقريباً أو حتى دخول الإنترنت إلى كل بلد عربي كان مجال البرمجة محصوراً فقط لدى شريحة المبرمجين الأكاديميين ..
ولكن بعد هذا التاريخ سنجد الباب مشرعاً أمام المبرمجين الهواة الذين ، و قد ملأوا الدنيا بإنجازاتهم ما جعل مايكروسوفت أكبر شركة للبرمجيات تهتز و تحسب ألف حساب للمبرمجين من شريحة غير الأكاديميين ..
و هنا بدأ العربي الهاوي يجد الجرأة لولوج باب البرمجة ، و كانت محاولاته حينها على استحياء و بخطوات خجولة و لكنها كانت دائماً تسير نحو الأمام ..
و تمتاز الشريحة العظمى من جيل المبرمجين الهواة عن الأكادميين أن أفرادها لا يعرفون ماهي بيزيك و لا سي و لا فورتران و لا غيرها ..
و معهم حق فالمتاح من البرمجيات تغنيهم عن هذه الأساسيات على أهميتها ..
و بدأت الخطوات الأولى بمرحلة التعريب فقط ..
فقد قام فلان يتعريب سكريبت بريد إلكتروني و جهز موقع بريد إلكتروني مجاني ..
و قام آخر بتعريب غرفة دردشة و صارلديه موقع شات ..
و قام ثالث بتعريب برنامج منتدى فصار لديه منتدى في الإنترنت ..
و قام رابع و خامس و سادس ...
كلّ منهم حسب مجهوده و مقدار صبره ....
و ماشجع أولئك الهواة على التقدم سعة انتشار نظام يونيكس ( لينوكس ) المجاني ثم ظهور الفارس ( php ) الذي استطاع كسر حصار مايكروسوفت .
حيث امتازت php عن ASP أنها لغة أكثر بساطة و سهلة التعليم بمبادئ سهلة تسبق بمراحل asp في سرعة تعلمها و سهولة تطبيقها ..
ولهذا نرى أن php اتسع انتشارها جداً في الجزء الأسيوي من البلاد العربية نظراً لكثرة شريحة الهواة نسبة إلى شريجة الأكاديميين الذي سافروا للاختصاص في الخارج .. و على العكس منها نجد Asp واسعة الانتشار في الجزء الأفريقي من البلاد العربية ..
و نتيجة لذلك ظهرت الرغبة لدى الهواة العرب في إنشاء مجتمعات خاصة بهم في الإنترنت العربي بعدما سئموا التجول في المجتمعات ( المواقع و المنتديات ) الأجنبية التي يجتمع فيها المبرمجون للنقاش و الحوار ، مما أدى إلى افتتاح منتدى مثل سوالف سوفت و منبر البرمجة لدى سحاب وغيرها .
و كانت هذه المرحلة بمثابة المرحلة الذهبية لأولئك الشباب الذين يجدون أوقات فراغ كثيرة لا يعرفون كيفية استثمارها ، وفي نفس الوقت صادفت أمور البرمجة و السكريبتات هوىً في أنفسهم ، فدخلوا معترك البرمجة و راح كل منهم يختبر مهاراته ، و طبعا :
نتيجة 3 :
كانت بداية مشوار المبرمجين الهواة دائماً هو تعريب السكريبتات الأجنبية .
و أثناء هذه المرحلة أو بعدها ، تبرز حاجة جديدة غير موجودة في السكريبت ، فيحاول هذا الشاب أو ذاك قراءة كود الملفات و محاولة فهم ما يجري فيها ، ثم محاولة التعديل عليها أو الإضافة إليها للخروج يميزة جديدة تفي إحدى حاجات المستخدم العربي قد لاينتبه إليها الأجنبي ...
ثم يعرض هذا الشاب إنتاجه أو تعديله في المنتدى، و يلقى الترحيب و الإعجاب من الحاضرين معه في تلك المجتمعات الافتراضية ، فيزداد حباً للبرمجة و يسعى جاهداً إلى الارتقاء خطوة أخرى ، و ربما يُخطئ ، فيسأل الأعضاء ، ليأتيه الجواب أو الحل من عضو آخر ، و يضيف عضو ثالث فكرة جديد و اقتراح جديد ، ليتبناها هاوٍ آخر ....
و هكذا تدور الأيام و مع كل يوم يظهر شيء جديد و عضو ( أو أعضاء ) أكثر يلتفون حول بعضهم البعض و قد راقت لهم تلك الاجتماعات البريئة و المفيدة في نفس الوقت للجميع ..
و من الطبيعي أن سبب نجاح أي منتدى ( في تلك الأيام عام 2000 ) ، كان وجود مبرمج أكاديمي واحد - على الأقل - أو أكثر ، حيث يخصص بعضاً من وقته للشروحات و للإجابة على الأسئلة المستعصية لدى شريحة الهواة ...
و كان هذا سبباً رئيسياً في نجاح منتدى مقابل فشل منتدى آخر يجتمع فيه المبرمجون ...
و واكب هذا التفاعل شيء جديد هو كثرة افتتاح المواقع العربية ، و الرغبة الجامحة لدى الكثيرين في افتتاح مواقع عربية لتحقق لهم نجاحاً ما في الإنترنت ، ممّا أدى إلى وجود رغبة ملحّة لدى الكثيرين إلى الاستعانة بخبرة فلان أو فلان من المبرمجين الهواة دائمي التواجد في منتديات البرمجة العربية ..
فكان يلتقي بهم سواء عبر الإيميل أو الآي سي كيو أو ماسنجر و يطلب منهم خدمة أو مساعدة ، فيقدمها له أحدهم بصدر رحب ، و لكن مع زيادة الطلب و زيادة الحاجة لأولئك العرب الذين يطلبون خدامت نت هواةبرمجة الويب ، فقد فاضت الاحتياجات فوق مستوى عدد المبرمجين الموجودين ، و ضاع أولئك المبرمجون :
لِمَن يقدمون الخدمة و لمن يعتذرون ؟؟
ليدخل حينها العامل المادي لاعباً أساسياً في ترجيح الرغبة لدى المبرمج الهاوي لتلبية طلب فلان ( الذي يدفع ) و الاعتذار عن تلبية طلب فلان ( الذي لايريد أن يدفع ) ..
و حين تكاثر الذين يدفعون ، صار المبرمج الهاوي يلبي رغبة الذي يدفع أكثر و يعتذر أو يؤجل موعد العمل للذي يدفع أقل ...
و دارت الأيام ليُفاجأ هذا المبرمج الهاوي أن الدخل الذي يحققه من البرمجة عبر الإنترنت يفوق بمراحل أي دخل آخر قد تحققه له مهنة أخرى في الحياة العادية ..
و من الطبيعي أن هذا المبرمج صارت أوقات تواجده في المنتديات قليلة جداً ، فهو بالكاد يستطيع تغطية طلبات فلان أو فلان من عملائه الذين يدفعون ، فهل لديه الوقت الكافي للثرثرة في المنتديات ؟؟
و للحديث صلة إن شاء الله
عماد