[CENTER]
قصص وعبر – الحلقة الرابعة
إعداد
عبد الله الكمالي اضغط هنا[/CENTER]
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فلا يزال الحديث إخواني الكرام موصولا بذكر شيء من القصص الصحيحة الثابتة وما فيها من دروس وعبر وحكم ودرر فمن هذه القصص :
عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة فجلد جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه نارا فلما ارتفع عنه وأفاق قال على ما جلدتموني قالوا إنك صليت صلاة واحدة بغير طهور ومررت على مظلوم ولم تنصره).
هذا حديث عظيم يخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل أمر الله عزوجل أن يُضرب في قبره مائة جلدة فدعا الله عزوجل وسأله فخفف الله عنه فصارت جلدة واحدة فلما جلد هذه الجلدة امتلأ قلبه نارا فلما أفاق سأل لم جلدتموني ؟ فقيل له : إنك صليت صلاة واحدة بغير طهور ومررت على مظلوم ولم تنصره ...
وفي هذا الحديث عبر عظيمة وفوائد كبيرة فمن هذه العبر :
إثبات عذاب القبر ونعيمه وقد دل على ذلك كتاب الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم
فقد قال الله تعالى عن آل فرعون : {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }غافر46
فذكر سبحانه وتعالى أن آل فرعون يُعرضون على النار غدوا وعشيا فإذا قامت الساعة يعذبون في نار جهنم نسأل الله العافية والسلامة ...
وأما من السنة المطهرة فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه مر بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير , بلى إنه كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للصحابة الكرام : إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليستعذ بالله من أربع يقول : اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال ثم ليدعو لنفسه بما بدا له .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة الكرام هذا الدعاء كما كان يعلمهم السورة من القرآن .
ولعل أخاً كريما وأختاً فاضلة يسألان : ما أسباب عذاب القبر ؟
فالجواب :
يقع عذاب القبر بسببين اثنين :
الأول: سبب عام وهو كل معصية مات عليها الإنسان ولم يتب منها التوبة النصوح فهو تحت مشيئة رب العالمين إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.
وأما الثاني : أسباب خاصة والمراد بها أسباب دل الدليل عليها من القرآن أو السنة الصحيحة فمن هذه الأسباب :
1- الشرك بالله سبحانه وتعالى وقد سمعنا قبل قليل إخواني الكرام قول الله تعالى عن آل فرعون .
2- عدم التنزه من البول .
3- النميمة وقد مر علينا قبل قليل دليل ذلك .
4- الكذب :
5- التساهل في الصلاة:
6- الزنا:
7- أكل الربا:
وقد دل على هذه الأمور الأربع رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم ورؤيا الأنبياء حق
فقد ذكر صلى الله عليه وسلم: أنه رأى ملكين فانطلق معها فرأى بعض الأمور الغريبة وفي نهاية الحديث : فقلت لهما إنكما قد طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت قالا نعم أما الرجل الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما ترى إلى يوم القيامة والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل بما فيه بالنهار يفعل به ما رأيت إلى يوم القيامة والذي رأيته في الثقب فهم الزناة والذي رأيته في النهر آكل الربا . أخرجه البخاري.
8 – الغيبة:
فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال : إنهما يعذبان بغير كبير : الغيبة والبول. أخرجه أحمد.
فهذه أيها الأحبة الكرام بعض أسباب عذاب القبر نسأل الله أن يعافينا ويعافي جميع الإخوة الكرام منها .
وعذراً على الاستطراد إخواني الكريم
فلنعد للقصة وما فيها من دروس وعبر :
فهذا الرجل علم أن الله أمر أن يجلد في قبره مئة جلدة فدعا الله عز وجل وسأله فخفف الله عنه ونستفيد هنا أيها الأحبة الكرام عظم شأن الدعاء
وقد ذكر أهل العلم أن القرآن الكريم قد افتتح بالدعاء وختم بالدعاء ففي سورة الفاتحة نقرأ ( اهدنا الصراط المستقيم ) وسورة الفاتحة هي أول سورة في القرآن وفي آخر سورة في القرآن وهي سورة الناس نقرأ ( من الجنة والناس ) وهذا دعاء أي اللهم إنا نعوذ بك من شر الجنة والناس
فالدعاء شأنه عظيم في الإسلام بل قال النبي صلى الله عليه وسلم : الدعاء هو العبادة .
فمن أقبل على الدعاء وجد فيه الراحة والطمأنينة فكأنه بالدعاء يشكو همه إلى الله سبحانه وتعالى فلنحرص على هذه العبادة العظيمة الجليلة...
وفي القصة إخواني الكرام بيان سعة رحمة رب العالمين فهو سبحانه الرحمن الرحيم فهذا رجل قد أمر الله عز وجل بجلده مئة جلدة فلما دعا الله عز وجل خفف الله عنه مع أن هذا الرجل قد وقع منه التقصير ولكن رحمة الله عز وجل وسعت كل شيء .
(( ... فانظر إلى ما في الوجود من آثار الرحمة الخاصة والعامة فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل علينا كتابه وعلمنا من الجهالة وهدانا من الضلالة وبصرنا من العمى وأرشدنا من الغي وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا وبرحمته علمنا ما لم نكن نعلم وأرشدنا لمصالح ديننا ودنيانا وبرحمته أطلع الشمس والقمر وجعل الليل والنهار وبسط الأرض وجعلها مهادا وفراشا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات وبرحمته أنشأ السحاب وأنزل المطر وأطلع الأقوات والفواكه والمرعى وبرحمته سخر لنا الخيل والإبل والأنعام وذللها منقادة للركوب والحمل والأكل والدر وبرحمته وضع الرحمة بين عباده ليتراحموا بها وكذلك بين سائر الأنواع الحيوان فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعته واشتق لنفسه منها اسم (( الرحمن الرحيم )) وأوصل إلى خلقه معاني خطابه برحمته وبصرهم ومكن لهم أسباب مصالحهم برحمته ... وكان عن صفة الرحمة الجنة وسكانها وأعمالهم فبرحمته خُلقت وبرحمته عمرت بأهلها وبرحمته وصلوا إليها وبرحمته طاب عيشهم فيها ... ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فأنزل منها إلى الأرض رحمة واحدة نشرها بين الخليقة ليتراحموا بها فبها تعطف الوالدة على ولدها والطير والوحش والبهائم وبهذه الرحمة قوام العالم ونظامه)).
فيا من أسرف على نفسه بالمعاصي أقبل إلى رحمة الله تعالى واعلم أن الله تعالى قال : {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الزمر53
فبادر أخي الكريم بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى والإنابة إليه وابشر بكل خير من الله سبحانه وتعالى ...
وفي القصة أيها الأحبة الكرام أن الرجل قد حصل له ما حصل بسبب ذنبين اثنين :
فالذنب الأول متعلق بحق الله سبحانه وتعالى فقد صلى هذا الرجل صلاة بغير وضوء وهذا ذنب عظيم جدا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ .
فلا بد من الوضوء عند إرادة الصلاة فقد أمر الله بالوضوء فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ...}المائدة6
وقال النبي صلى الله عليه وسلم مبينا فضل الوضوء : من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره
وقال أيضا عليه الصلاة والسلام: إسباغ الوضوء في المكاره وإعمال الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلا.
فتذكر أخي الكريم عند الوضوء أنك تؤدي عبادة عظيمة جدا ولها أجر كبير ...
والذنب الثاني الذي عذب عليه الرجل : عدم نصرة الظلوم وهو ذنب متعلق بحقوق العباد وبحقوق البشر , فالمسلم أخو المسلم فالله تعالى يقول : ( إنما المؤمنون إخوة ) فلا بد أن يتعاون المسلمُ مع أخيه فالمجتمع المسلم مجتمع متماسك مترابط
فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى . متفق عليه.
فإذا وجدت أخي الكريم مظلوما وكنت قادرا على نصرته فانصره وأعنه
هذا خلق المسلم واذكر لك أخي الكريم مثالا يوضح لك هذا الأمر :
لو كنت تعمل في دائرة ما ووجدت شخصاَ قد وقع عليه ظلم في أمر ما فكلمت المدير وشرحت له أن هذا الرجل مظلوم وبينت له وجه الظلم فهذا من نصرة المظلوم وإعانته ...
وفي القصة أخي الكريم ذكر عقوبة شخص لم ينصر مظلوما فكيف بمن يظلم الناس نسأل الله العافية والسلامة
فالله تعالى نهى عن الظلم وحرمه على نفسه سبحانه وتعالى فعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا... الحديث .
فلنبتعد عن الظلم في جميع الأمور ولنحذره أشد الحذر واعلم أخي الكريم أن من طبق قوانين العمل وألزم الناس بها ما لم يكن فيه معصية فهذا ليس من الظلم في شيء بل هو من تمام العدل فبعض الناس مثلا يظن أن من يتشدد في أمور العمل والحضور الغياب فهو ظالم وهذا خطأ بين واضح بل التشدد في هذه الأمور من العدل وحسن التصرف وطاعة ولاة الأمر فلا نخلط بين الأمر.
نسأل الله العظيم بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن ينفعنا بما سمعنا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...