السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين وبعد:
أبدأ مستعينا بالله تعالى بهذه المقدمة:
لقد أفرد أهل العلم رحمهم الله تعالى مباحث خاصة في الرد على أهل الكتاب من يهود ونصارى ومن خرج عن الملة الإسلامية, وجعلوا لهم خطابا يختلف عما يُخاطَب به غيرهم ممن انتسب إلى الملة المحمدية, فإن طريقة مخاطبة أهل الكتاب ليست من جنس مخاطبة غيرهم من أهل الأهواء ممن انتسبوا لأهل القبلة, لوجهين: الوجه الأول: أن الشبهة المتمكنة ممن انتسبوا لأهل القبلة يقع تصنيفها تحت إقرارهم وادعائهم بكونهم من أمة الإسلام إجمالا, فالرد عليهم ومخاطبة أولئك يكون بتبيان أصول الإسلام وإلزامهم بقبول الحق الذي جاء به القرآن الكريم ومحمد صلى الله عليه وسلم, فلا مناص لهم من إنكار هذا الإلزام لهم لأنهم ادّعوه, فهم أمام أمرين: إما الرجوع إلى الحق والعدول عن مقولتهم في ذلك لوقوع الإلزام بما قرروه في أصلهم وهو القرآن والسنة, وإما البقاء على مقولتهم سواء لبقاء الشبهة أو لاستحكام الهوى. الوجه الثاني: أن ضلالات أهل الكتاب ناتجة عن شبهة متمكنة في اعتقادهم تخالف معقول أهل الإسلام وخارجة عنه نطاقه, فلا وجه لإلزامهم بما يُلزَم به أهل الإسلام لاختلاف الأصول, ولذلك فإدراك شبهتهم هذه والإلمام بها من أهم المطالب التي ينبغي للداعي أن يهتم بها, وعلى هذا فدعوة انسان دون دين ودون شبهة أسهل الأمور لخلو عقله ونفسه من مشوبات واعتقادات, بخلاف من شاب على فساد عقيدة أو انحراف فطرة, فإن ذاك يوجب تخليته من اعتقاده وتبيان فساده أولا, ثم بعد ذلك تحليته بالحق المبين وإرجاعه إلى فطرة الدين القويم.
ولا يعني هذا أن شبهة أهل الكتاب قد لا توجد في غيرهم من أهل الأهواء, فإن سبل الضلالة متداخلة متقاربة, وقد توافق مقولة أهل الأهواء مقولة أهل الكتاب, والكفر ملة واحدة, لكن طريقة الدعوة والجدال تخلتف باختلاف ما تدعيه كل فرقة من الفرق, و كلما خلا جوف الإنسان من شبهة مضللة كان إلى الفطرة أقرب, وكلما كان قريبا إلى الفطرة سهل عليه تقبّل الإسلام وعقيدة التوحيد الصافية, والعكس كذلك, فكلما تمكّنت الشبهة في نفسه كان أبعد إلى تقبل الحق ورأيته يصد عنه صدودا, وهذا حال أهل الكتاب, فإن شبهتهم مبنية على المكابرة ومعاندة العقول, ولذلك فالمتأمل إلى ما كتبه شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في ردوده على الفرق والطوائف أدرك هذا الأمر, فإن شيخ الاسلام إذا سرد شبهة يشترك فيها من انتسب إلى أهل القبلة والنصارى, سعى إلى دحضها بالأدلة النقلية والنصوص إلزاما لأهل القبلة, ودحضها أيضا بالحجج والأدلة المنطقية والعقلية إلزاما للفلاسفة وأهل الكلام أو المتأولين من الفريقين, كمسألة الحلول والاتحاد التي يشترك فيها بعض أهل الأهواء مع النصارى, كل بحسب مدركه.
وأهم ما يجب على من أخذ هذا العلم على عاتقه معرفة أصلين اثنين وما يندرج تحتهما من مطالب: الأصل الأول وهو المعرفة بشبه أهل الكتاب وضلالتهم, والأصل الثاني: كيفية الوصول إليها ومناظرتهم فيها, فإن معرفة الشبهة وحدها لا يكفي وإنما لا بد من معرفة طرق الوصول إليها من كيفية المناظرة والجدال وأساليبها, وطرق الوصول إلى قلب الإنسان لمحو شبهته وإزالتها بالحجة والبرهان, ومن ذلك معرفة واقع الإنسان ومجتمعه وكيفية معيشته وثقافته في بلده وكيفية تفكيره, فإن ذلك كله يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار من قبل الداعي إلى الله تعالى حتى يصيب مكمن الداء ويقضي الله أمرا كان مفعولا, وسيأتي باذن الله تعالى تفصيل ذلك, وكم هناك ممن فتح الله عليه بالعلم لكنه غاب عليه طرائق الوصول إلى الدعوة وأساليبها, فلم يستفد الناس من علمه ولا استطاع تبليغ أمره.
أما الأصل الأول فيتحقق بالتحصيل في طلب العلم من معرفة أحكام دين التوحيد وشرعة الأنبياء وطريق دعوتهم والعلم بعلوم أهل الكتاب والنظر في شبههم وضلالاتهم وكتبهم والإتيان على تناقضاتها وتحريفاتها, والأصل الثاني وهو المهم هنا, هو المنهج الذي يجب السير عليه المناظر الداعي إلى الله من أساليب شرعية منهجية عقلية يكون الوصول إلى الحق عن طريقها لا ينكره إلا مكابر طمس الله بصيرته, وليس لهذا المنحرف –إذن-بعد ذاك إلا الضلال والخزي والعار, وليس بعد إقامة الحجة بيان, وليس بعد العلم إعذار, أما الداعي إلا الله فقد رضي الله له بالتبليغ والبيان, واطمأن قلبه بالإعذار, وسار على درب الأنبياء وإن أتى يوم القيامة ومعه الرجل والرجلين, وفوق كل هذا كله عُلم أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء, وهو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.
وقد اقتضى المقام أني استعملت لفظ الإلزام في مقدمتي هذه قبل شرحه, فسآتي بعد هذا على هذا اللفظ ومعناه وما يدخل فيه بنوع من التفصيل باذن الله تعالى, وأستغفر الله تعالى من التقصير والزلل.
__________________
مؤسسة الفا بتك ديزاين
www.lindowz.com |