(3) الإسلام دين ظاهر على كل الأديان
لما كان الإسلام هو دين الفطرة, وهو الدين الذي يرتضيه أصحاب العقول السليمة والفطرة الخالية من السقم كان التحاكم مع من خالف الإسلام إلى العقل والمنطق والبرهان من أنجع وسائل الدعوة إلى الله تعالى لإقامة الحجة.
ولا شك أن دين أهل الكتاب من يهود ونصارى مبني على أمور كانت في أول أمرها شبهات وخلافات منشؤها الغلو وتحكيم الشهوة والشبهة, لكنها تطورت مع الزمن لتصير مبنية على أصول وقواعد في دينهم هي التي تشد أعمدة بنيان عقيدتهم, فقد أدخل النصارى كثيرا من الفلسفات والعلوم العقلية والكذب في دينهم وأصبحت عندهم من قبيل الأصول والمسلّمات, فتراهم مثلا صنفوا المجلدات الطوال في إثبات التثليث بما يدكّ العقل دكّا من أجل صياغتها الصياغة العقلية السليمة, وهذا حال جميع أهل الأهواء والضلالة, فإن الضلالة تكون في أولها شبهة أو شهوة لتتطور وتصبح لها تأصيلا يُحتكم به وفنون مبنية عليه, ومن ثم كان منهج القرآن في التعامل مع أهل الباطل من تبيان الحق والرشد دعوة إلى التحاكم إلى الحق والفطرة بالحجة والبرهان من أجل أن يكون الدين كله لله, ولذلك قال الله تعالى:"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله", وهذا هو منهج الأنبياء والرسل, وهو نوع من الجهاد كما في الحديث الصحيح عند أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم". قال ابن حزم رحمه الله: "وهذا حديث غاية في الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله", وقال أيضا في قوله تعالى:" ولا يطئون موطئا يغيض الكفار :" ولا غيظ أغيظ على الكفار والمبطلين من هتك أقوالهم بالحجة الصادعة وقد تهزم العساكر الكبار والحجة الصحيحة لا تغلب أبداً فهي أدعى إلى الحق وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمة" ولذلك تصدى لهذا الأمر الكثير من أهل العلم حديثا وقديما ونبغ فيه من نبغ قديما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وحديثا الشيخ العلامة رحمة الله الهندي, والذي كتابهما بحق من أحسن ما صنّف في الباب, صحيح أن بعضا من الناس من لا يزالون ينكرون هذا العلم ويعتبرونه من الكفاية, ولعمري كم من فرض أسقط بهذه الحجة, وكم من حرمات استهينت بهذه الدلائل حتى الجهاد في سبيل الله, بل حتى ابن تيمية رحمه الله كان هناك من أنكر عليه دفاعه عن الإسلام والسنة ورده على أهل الأهواء من يهود ونصارى وغيرهم كما قال خليل الصفدي عنه:"… وضيع الزمان في رده على النصارى والرافضة ومن عاند الدين وناقضه ولوتصدى لشرح البخاري أولتفسير القرآن العظيم لقلد أعناق أهل العلوم بدر كلامه النظيم", ونحن نقول رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية, فقد قدم للإسلام خدمات جليلة نسأل الله تعالى أن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خيرا جزيلا. أصول المناظرة مع أهل الكتاب
أحسن ما يتعامل مع كل صاحب عقيدة يظن أن معه الحق هو أن تحاكمه إلى أصوله التي يرتضيها هو حكما, ويقبل بها ويقرّ بها عينا, وكل عاقل ماش على هذه الأرض يقبل بهذا حكما, ومن هذا نستخلص الأصول التي نحاكم بها أهل الكتاب وإقرارهم بها ورضائهم بحكمها, فإن اليهود والنصارى بل كل ضال متأوّل في الديانة يعتقد أن الحق معه وأنه على منهج العقلاء والحكماء وأن دينه هو الحق والصواب, حتى فيما بين الطوائف النصرانية نفسها, فإن الكاثوليك يخطئون البروتستانت, والبروتستانت يخطئون الكاثوليك, وشهود يهوه يكفرونهما معا, وكتبهم في ذلك والردّ فيما بينهم كثيرة كبيرة, وكل في ضلال مبين, وهاهي أصول ثلاثة استعملها أهل العلم في الرد على أهل الكتاب وجعلوا كتبهم وردودهم ومناظراتهم على أساسها, أبينها قبل أن أدقق في تفصليها: الأصل الأول - العقل والمنطق : فإن أهل الكتاب يعتقدون أنهم أصابوا الحق بما لديهم في دينهم ولا يزالون منذ رفع المسيح وتكوين لبنة الضياع الأولى واختلاف الأحزاب فيه يحاربون ويصولون ويجولون ويبشّرون ويدعون إلى دينهم معتقدين أنه الحق والصواب, وأن من خالفهم فقد خالف الحق المبين. وأصل ذلك قوله تعالى:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين". ولا يظن أحد من النصارى أنه مخالف للحق المبين أو العقل السليم وإنما يعتقد كامل اعتقاده أنه الهداية المثلى وعلى الصراط المستقيم وغيره على ضلال مبين كما قال الله تعالى:" وقالت النصارى ليست اليهود على شيئ وقالت النصارى ليست اليهود على شيئ وهم يتلون الكتاب" وما ذلك إلا للعمى المتمكن على عقولهم وبصيرتهم فيرون أنفسهم على الحق "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا". الأصل الثاني- كتبهم المقدسة: وهو المعيار الثابت عندهم ومصدر التلقي والقبول في دينهم وعقيدتهم, ومن حكمة الله تعالى أن جعل في كتبهم ما يشهد لهم بالضلالة إلى يوم الدين, فإلزامهم بما في كتبهم وعرض عقيدتهم عليها من أصعب مراحل المناظرة عند النصارى, وهذا بالتجربة, فمن أصعب وقت النصراني حين تلزمه بقول في أصل من أصول اعتقاد ولا دليل عليه من كتابه أو يوجد دليل معارض له, فيرجع للتأويل على ما سيأتي تفصيله باذن الله, والأصل في ذلك قول الله تعالى:" وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" تأمّل التحدي الوارد في الآية من طلبهم إتيان الدليل والبرهان على قولهم لاثبات صدقهم, وإنما أمروا باثبات صدقهم وليس كل من قدّم برهانا أو دليلا كان صادقا في دعواه وإلا فقد حاولوا, فقد قدموا كتابا مقدسا ضخما يحتوي على ما يدعون أنه كلام الله مقدس مصدقين بصحته إلى الله, أما وقد قدموا دليلهم, فلننظر إلى ما ورد فيه وما جاء فيه من الاعتقاد والنبوات ونرى صحة ادعائهم ونحاججهم به. الأصل الثالث- التاريخ والأخبار : إن ضلال النصارى وانحرافهم إنما هو ناتج عن الكذب الحاصل لهم في رواية الأخبار, فينبني لهم على ذلك الكذب اعتقاد يسري في التاريخ, فمحاولة اثبات كذب التاريخ والروايات التي ينبني عليها اعتقادهم عنصر مهمّ لارجاعهم عن اعتقادهم, والأصل في ذلك من القرآن الكريم قول الله تعالى:" وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وماصلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما" فما ادعوه هو خلاف الواقع الحق والتاريخ المبين, وإبطال كذب التاريخ عندهم يزيل الشبهة سواء كانت بغفلة أم بجهل كما في قوله تعالى:" يا أهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون"
يتبع باذن الله فيما يجمع هذه الأصول الثلاثة.
__________________
مؤسسة الفا بتك ديزاين
www.lindowz.com |