عرض مشاركة واحدة
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: Sep 2004-
#4 (permalink)  

(4)

بعد ذكر تلك الأصول الثلاثة المهمة التي يستعملها الداعي يجب أن نبين القواعد والأدوات التي تجمع ذلك حتى يكون للداعي الملكة القوية التي تساعده على تقديم الحجة والبيان وتمكنه من دحض حجج النصارى المناظرين واستعمال الأصول الثلاثة السابقة, لأن معرفة تلك الأصول وحدها من غير معرفة لأدوات استعمالها لا يفي بالمطلوب.

القاعدة الأولى - قاعدة الإلزام

الإلزام هو جعل الخصم يقبل بالمقدمات المسلّمة عنده أصولا, لتظهر النتيجة من الداعي بناء على المقدمات التي أقرها النصراني احقاقا للحق, ولا يشترط بعد ذلك قبوله للنتيجة, فإنه إن قبلها فذاك منتهى الآمال ولله الحمد, لكن من أجل تبيان الحق ورجوعه إليه أبين وآكد خصوصا عند علمه بفساد المقدمات, وفساد المقدمات ينتج عنه فساد النتيجة, فلو تأمل العاقل النصراني في ذلك لعلم أن فساد النتيجة عنده ( وإلا فهي ليست بفاسدة عند الداعي وإنما هي عين الحق) لم يكن إلا لفساد إحدى المقدمتين أو كليهما فيرجع عن ذلك, ومعلوم أن النتيجة تبتغي أخس المقدمتين كما قال الشاعر:


لا تنحكن إلا نجيبة معشر *** فالعرق دساس من الطرفين
أوما ترى أن النتيجة دائما *** تبتغي الأخس من المقدمتين


وقال ابن رشد:" الغرض في المناظرة إظهار الصواب، والغرض من الجدل والخلاف الإلزام‏" اهـ, فالإلزام منتهى الحجة, لأنه لو عارض بعد ذلك لا يكون إلا مكابرا أو متهرّبا أو ناقضا لمسلّمات مقدمتيه, كما في قوله تعالى:" فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نُكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون" فانظر كيف رجعوا إلى القول بفساد المقدمة التي جعلها لهم إبراهيم عليه السلام إلزاما لهم, فكانوا مستحقين بعد ذلك ل :"أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون"

ولا يفهمن أحد عندما يرى أحدا من الدعاة استعمال هذا الإلزام بتقرير مسلمات المناظَر أنه يقول بها, فإنه ما استعملها إلا من أجل الوصول إلى المنطق السليم في دحضها, كما لا يفهمن أحد من قول ابراهيم عليه السلام قوله:"قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون" بأنه يعتقد بنطق الأصنام, فذلك مما لا يقول به عاقل, فطلب سؤال الأصنام لهم من ابراهيم تحدي إلزامي, وهذا قد يخفى على الكثير من الناس من الناظرين لمثل هذه المناظرات, خصوصا إذا لم يبين الداعي أحيانا أنه في موقع الإلزام, وهذه القاعدة هي أهم قاعدة اعتمد عليها المناظرون لأهل الكتاب, قال الشيخ العلامة رحمة الله الهندي في إظهار الحق:" إني إذا أطلقت الكلام في هذا الكتاب في موضع من المواضع فهو منقول عن كتب علماء بروتستنت بطريق الإلزام والجدل, فإن رآه الناظر مخالفا لمذهب أهل الإسلام فلا يقع في الشك"اهـ وقال في موضع آخر:" واعلم – أرشدك الله تعالى- إنما نقلت الأقوال المسيحية وأولتها لأجل إتمام الإلزام وإثبات أن تمسكم بها ضعيف, وكذا ما قلت في قي أقوال الحواريين إنما هو على تقدير تسليم أنها أقوالهم, وعقيدتني أن المسيح والحواريين كانوا برآء من هذه العقيدة الكفرية يقينا"اهـ وهي قاعدة جليلة جميلة, دامغة الحجة, واضحة البيان, استعملها سيد الحنفاء وأبو الأنبياء وعمدة المناظرين ابراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

فمنه قوله تعالى:" فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون" تأمل إلزام ابراهيم لهم بكون تلك الكواكب آلهة, وكونها آلهة لا ينبغي لها أن تأفل, فإلزامهم بقبولهم بها آلهة وهو مسلم عندهم مع اقتضاء الأفول يقتضي فساد كونها آلهة تستحق العبادة, فإما أن يقولوا إنها آلهة نعبدها وهي لا تأفل وقد ثبت أفولها, وإما أن يقولوا إنها آلهة نعبدها ولو أفلت, فحاجهم موسى.

ومنه قوله تعالى في إبراهيم:"فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون مالكم لا تنطقون" فإن إبراهيم عليه السلام ألزمهم تسليما بسماع تلك النجوم, فشكى لها سقمه ولم يكن سقيما لكن على وجه إلزامهم, فلما لم يستجيبوا أثبت لهم :"أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين"

وهذا الأسلوب مفيد في نقض عقائد النصارى أصولا كانت أم فروعا, كنقض ألوهية المسيح وإثباته انسانيته, وإبطال صلبه وموته وغير ذلك من العقائد الفاسدة.

يتبع باذن الله..

القاعدة الثانية: إظهار فساد كتبهم المقدسة المعتمدة وتبيان تحريفها..






__________________
مؤسسة الفا بتك ديزاين

www.lindowz.com
kingq8 غير متواجد حالياً   قديم 31-10-2005, 05:09 AM
رد مع اقتباس