القاعدة الثانية: إظهار فساد الكتب المقدسة السابقة وتبيان تحريفها
وأصل هذه القاعدة قوله تعالى:"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" ومعلوم عند كل عاقل أن كل كتاب يدعي أنه سماوي وقع فيه الاحتمال سقط به الاستدلال, كتاب النصارى المقدسة مرجعهم الشرعي, ومآلهم الديني شعارهم, ويعتقدون أنه كلام الله موحى إليه إلى البشر, ورغم أن نظرة النصارى إلى الكتاب المقدس تختلف من مذهب لآخر, فبعضهم يرى أنه كلام الله من الغلاف إلى الغلاف, وبعضهم يرى أنه كلام بشر كّتب بإلهام الروح القدس, والبعض يرى أن قدسيته روحانية لا تخطيء فراسته لأنه مؤيد بالروح القدس وإن أقروا ببشريته.لكنهم يجمعون على مرجعيته العليا, ويقبلون به حكما وملزما, فكان هذا مدخلا يحسن استغلاله للرد عليهم وعن عقيدتهم الكفرية, وإلزام النصارى بالكتاب المقدس نوعان: أولا : ما علمنا أنه حق فنخرجه لهم إلزاما لهم ودعوة لهم لاتباعه, وأن مخالفتهم إياه مخالفتهم لدينهم, ومن هذا جنس بشارات محمد صلى الله عليه وسلم, وسأتكلم عنها في القاعدة الثالثة. ثانيا: ما لم يهمنا كونه حقا أم باطلا وإنما نخرجه لهم إظهارا للتناقض والتحريف والزيادة والنقصان والتبديل والتغيير
وهذه قاعدة واسعة عريضة, ينبغي للداخل فيها أن يدخل يعلم ودرية وميزان. قال ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان:"التوراة التي بين أيديهم في الحقيقة كتاب عزرا وفيها كثير من التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه الصلاة والسلام, ثم تداولتها أمة قد مزقها الله تعالى كل ممزق, وشتت شملها فلحقها ثلاثة أمور:
أحدها: بعض الزيادة والنقصان
الثاني: اختلاف الترجمة
الثالث: اختلاف التأويل والتفسير.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح: كتبت التوراة باثنتين وسبعين لغة. اهـ وبين شيخ الإسلام في مباحثه النفيسة أن دفعهم جواز تحريف التوراة بتعدد لغاتها هذا هو أدل ما يدل عليه التبديل والتحريف. وليت شيخ الاسلام رحمه الله رأى التحريف الحاصل الآن في اللغة الواحدة وفي الطبعات المختلفة. وقال الشافعي رحمه الله في خطبة الرسالة:"والناس صنفان. أحدهما أهل الكتاب بدلوا عن أحكامه, وكفروا بالله, فافتعلوا كذبا صاغوه بألسنتهم, فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم"اهـ ولذلك فلا يظنن أحد أن كل التوراة باطل لا حق فيه, قال ابن القيم رحمه الله:"ونحن نذكر السبب الموجب لتغيير ما غير منها, والحق أحق ما اتبع, فلا نغلو غلو المستهينين بها, المستمسخرين بها, بل معاذ الله من ذلك, ولا نقول: إنها باقية كما أنزلت من كل وجه إلا القرآن.اهـ
ولذلك فكما سبق أن اعتبارية الكتب المقدسة ليست من جنس كونها كلام الله, لكن باعتبارها تحمل بعض الحق الذي أنزله الله على موسى عليه السلام والذي يمكن محاجات أهلهم به, وكذلك يقال على كتب الأنبياء الأخرى.فإن قيل كيف يجمع بين عدم كونها مقدسة وبين فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح عن ابن عمر واللفظ لأبي داود في السنن في حديث رجم اليهودي وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ائتوني بالتوراة, فأتي بها ونزع الوسادة من تحته, ووضع التوراة عليها, ثم قال آمنت بكِ وبمن أنزلكِ.. الحديث. ؟ فالجواب أنه يحتمل أن يكون الجزء الذي أتوا به إلى الرسول وفيه حكم الرجم لم يحرّف ولم تمسه يد التحريف, وقد حكم به عليهم, فدل ذلك على صحة الحكم. وقد أجاد الشيخ رحمة الله الهندي في إثبات التحريف بجميع أنواعه وأسهب في ذكر الأمثلة الواسعة والدقيقة منها فرحمه الله رحمه واسعة.وماقيل عن التوراة يقال عن الإنجيل وكتب الأنبياء.
وهذه القاعدة مهمة أيضا في زعزعة ثقتهم في كتابهم المتمسكين به وإثبات وقوع التحريف فيه فيعلم أن عقيدته شابها الانحراف بوقوع التحريف. القاعدة الثالثة: في إثبات بشارات ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم من كتبهم المقدسة.
__________________
مؤسسة الفا بتك ديزاين
www.lindowz.com |