القاعدة الثالثة: إثبات بشارات ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم من كتبهم المقدسة
وهذه من أجلّ القواعد وأكملها في دعوة النصارى إلى دين الإسلام, فحيث كانت القاعدتان السابقتان تتعلق بالشطر الأول من كلمة التوحيد لاإله إلا الله وما يتعلق بما من نفي الشريك لله تعالى وإفراده بالألوهية والربوبية والعبودية له وحده والإيمان برسله وكتبه, كان لازما إتباع هذا البيان بتبيان ما يكتمل به الإسلام وهو اتباع محمد صلى الله عليه وسلم, إذ لا يكون الناجي ناجيا إلا إذا آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم, روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" فالإيمان بما أنزل على محمد خاتم الأنبياء لا يتحقق الإسلام إلا به, ولا تنعقد النجاة إلا باتباعه صلى الله عليه وسلم, ولذلك اهتم أهل العلم ومن تولوا دعوة أهل الكتاب إلى التركيز على هذه القاعدة أيما تركيز وأفردوا فيها مؤلفات, وتبيان أن الإسلام ليس دينا بدعا من الأديان, ولا محمد بدعا من الرسل, وإنما هو دين جميع الأنبياء لا يسع أي ملة تدعي اتباع نبي من الأبياء إلا أن تتبع محمدا صلى الله عليه وسلم, قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:" إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد الأنبياء إخوة لعلات وأنا أولى الناس بابن مريم فإنه ليس بيني وبينه نبي" وقد ثبت جزما ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم المتقدمة كما صرح بذلك القرآن الكريم, وثبت أيضا أن الأنبياء أخذوا الميثاق لئن جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به وليتبعن دينه, وكذا كل شريعة نبوية أتت جاء ذكره صلى الله عليه وسلم, وعلى الرغم من تحريف الكتب المقدسة والأسفار النبوية الكثيرة, لا تزال بحمد الله إشعاعات ذكر محمد صلى الله عليه وسلم موجودة إما تلميحا وإما تصريحا, وقد قامت الحجة عليهم من هذا الباب, فاليهود يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وهو مكتوب في كتبهم وأسفارهم, أما النصارى فقد جحدوا نبوته وآثروا الكفر والشرك المبين.
هذا ما جاء في كتبهم من الدلائل النقلية, أما في النظر العقلي فقد قال ابن القيم رحمه الله:" لو لم يظهر محمد بن عبد الله-صلى الله عليه وسلم- لبطلت نبوة سائر الأنبياء، فظهور نبوته تصديق لنبواتهم وشهادة لها بالصدق، فإرساله من آيات الأنبياء قبله، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في قوله:" بل جاء بالحق وصدق المرسلين"اهـ
وأغلب النصارى يتأولون ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم ويصرفونه إلى غير معناه, فهم بذلك كافرون به, فالداعية عندما يثير فيهم هذه الدلالات ويخرجها لهم ويبين لهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو امتداد لمسيرة النبوة والرسالة السماوية ما يسعكم إلا أن تؤمنوا كما بشر المسيح عليه السلام, فهذا مما يكون فاتحا لقبولهم الحق وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقبولهم الإسلام.
وهذه القاعدة مهمة جدا عند عقلاء النصارى ومفكريهم, فإن بعض طوائف النصارى لاسيما من مذهب الكاثوليك, يظهرون احترامهم للاسلام ولنبيه صلى الله عليه وسلم, لكنهم يقولون أن اتباعه ليس ملزم لنا وشرعنا كاف لنا وهو لم يبعث لنا وإنما بعث للعرب, وقد فصل شيخ الإسلام في الرد على هؤلاء الطوائف وأثبت أن اتباع المسيح عليه السلام يقتضي اتباع محمد صلى الله عليه وسلم .
والنصارى كونهم لا يؤمنون بالقرآن الكريم لا يمكن للداعية أن يلزمهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم منه, بل يقتصر على ما جاء في نصوص الكتاب المقدس حول ذكر محمد صلى الله عليه وسلم, وهذا أدعى إلى تطييب أنفسهم لمكانة هذه الكتب عندهم, فإذا استطاع الداعية أن يكسب قلوبهم بالزامهم بما ثبت عندهم من نبوته, ودحض ما يتمسك به علماؤهم ومفسروا هذه الكتب من تأويلات النصوص التي جاءت في خاتم الأنبياء وصرفها عن معناها, وقع الإلزام في اتباعهم لمحمد صلى الله عليه وسلم, وكان مجال الإسلام أمامهم بينا جليا.
وإنني إذ انتهيت من ذكر أصول مناظرة النصارى, ثم أتبعتها بالقواعد المستعملة في ذلك, أذكر باذن الله تعالى في مقالٍ ختامي مسائل وفوائد تجمع ما ذكرت, تكون مفاتيح للمناظر تنير له أبواب التوسع في هذا الفن, وتمهد له طريق البحث والتمكن بما يقوي ملكته في كسب هذا العلم باذن الله تعالى.
يتبع باذن الله..
__________________
مؤسسة الفا بتك ديزاين
www.lindowz.com |