عرض مشاركة واحدة
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: Sep 2004-
#8 (permalink)  

ثانيا: من عندنا الذي أخذوه.( من أسرار التبشير)

يعيش المسلمون اليوم حالة من التفكك المرير والإنهزامية الحضارية التي جعلت أمة محمد صلى الله عليه وسلم تتأخر عن الركب العالمي في القيادة الحضارية التي شرفنا الله بها وهي الشهود الحضاري بين الأمم في قول الله تعالى:"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" هذا التفكك المرير استطاع أن يصيب عدة جوانب من الحضارة الإسلامية سواء على مستوى التفكير أم على مستوى الأفراد, وحتى على مستوى الجماعات.

ومن بين المجالات التي عجز فيها المسلمون في الوقت المعاصر وغفل عنه أغلب شباب الصحوة وطلب العلم إلا القليل منهم, هو الدعوة إلى هذا الدين, الدعوة إلى دين التوحيد, هذا الأصل العظيم في الإسلام الذي بدأت تخمد شعلته منذ سقوط الخلافة الإسلامية , فدعوة غير المسلمين إلى الإسلام لم تلق عند المسلمين الاهتمام الكافي والذي كان يجب أن يكون أولى الاهتمامات في الدين الذي هو من أصل تبليغ دعوة الأنبياء والرسل إلى الناس أجمعين, أقول هذا الكلام وأنا أستحضر في ذهني كثيرا من المواقف التي يقف الإنسان أمامها متأملا, أذكر قبل سنوات لقاء جمعني بأحد الصينيين المبشرين النصارى, شهران منذ أن عرفته كانا كفيلان لأن يعلنها: أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله, ويتعرف إلى الدين الحق , دين التوحيد. قال لي نور محمداتي فو –وهو اسمه بعد الهداية: لم أكن مقتنعا بالمسيحية حق الاقتناع, ولكن تنصر علي يدي أكثر من خمسين من البوذيين واللادينيين في شمال الصين, حينما كان الاضطهاد الشيوعي ضد الدين على أوجه, وزرت –يواصل الصيني- ماليزيا وسنغفورة وأمريكا وبريطانيا, والتقيت الكثير من المسلمين وعايشتهم, ولم يبلغني أحد كلمة عن الإسلام ولا أهدى إلي كتابا أو شرح لي معتقدا. قال لي هذا الكلام والحسرة تعقد لسانه على ما قضاه في الضلال وإضلال للناس.إن العالم اليوم كله ينادي المسلمين, أن أخرجونا من براثن الشرك والضلال, وبينوا لنا طريق الحق والتوحيد, صراط النور الذي لا يضل سالكه أبدا, صديقنا الصيني حاليا في إحدى المدارس الإسلامية بجنوب تايلاند يتعلم الإسلام, ويشتغل حلاقا لكسب قوته.

ربما لا يدرك الكثير من المسلمين في البلاد الإسلامية حرارة ما أقول, لأنني أعلم أن هناك من المسلمين من لم ير كافرا في حياته, لكن القضية أن الإسلام دين تبشيري, دين يدعو صاحبه أن يدعو غيره إليه, من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, لا يحاول المسلمون أن يتحركوا لانقاذ الآلاف, بل عشرات الآلاف من المسلمين الذين يتنصرون سنويا في إندونيسيا وماليزيا والفلبين وإفريقيا, الملايين من الكنائس التبشيرية تدفع مئات الآلاف من الدولارات لطباعة الكتاب المقدس و نشره مجانا لنشر المسيحية, وقع في يدي منذ أيام نسخة جديدة من الكتاب المقدس بلغة نادرة في شرق ماليزيا, بل قل إنها لهجة يتكلم بها حوالي 7% من مجموع نصارى ماليزيا البالغ عددهم تقريبا 40 % من مجموع السكان (حسب إحصاءات رسمية وإلا فالعدد قد يكون أكبر), هذه اللغة البدائية (لغة الكادازان) استطاعت الكنيسة استجماع قواتها ونشر إنجيل بهذه اللغة استكمالا لمساعي التبشير والتنصير, وبقيت أتسائل: إن الاسلام في ماليزيا قد انتشر منذ قرون أو مايزيد, وهي دولة اسلامية الغالبية من سكانها مسلمون, أفلم يستطع المسلم الماليزي بعد أن يترجم مصحفا بهذه اللغة ؟ إن كان قد فكر في ذلك أصلا‍.

أنا لا أنكر أن الخير في هذه الأمة لن يعدم باذن الله, وجهود أهل الخير لا تزال ساعية بحمد الله, لكن هذه الجهود مقارنة مع حركات المد التبشيري الصليبي تظهر كالجدي الهزيل وسط قطيع عظيم, والمسلمون لا يزالون بعد غير قادرين على دفع مسيرة دعوة غير المسلمين, لضغوطات نفسية وفكرية وواقعية عديدة, جعلت الإسلام غريبا لا يعرفه غير المسلمين إلا بالاسم, وربما اقترن الاسلام بما تروجه وسائل الإعلام العالمية من تشويه وتحريف.

والحقيقة أنه عندما نلقي نظرة على النشاط الدعوي الإسلامي على العالم, نجده لا يحتوي على نظرات متكاملة, حيث تؤثر فيه أدنى أسباب التوتر, وتحجم من نشاطه عوائق كثيرة, ولا بد قبل أن نذكر العوائق التي تحجز المسلم عن الدعوة إلى الله, يجب التنويه عن النشاط التضليلي الذي تمارسه التيارات المعادية للإسلام حول العالم, والتي زادت حدتها في السنوات الأخيرة الماضية متأثرة بالأحداث العالمية الدامية, ومستغلة آثارها وتقلباتها, فهي - بخلاف التيارات الدعوية- لا ترتكز فقط على منحى واحد أو جبهة واحدة, فالقساوسة والمبشرون المدعمون من قبل الكنائس والجمعيات التنصيرية ينصرون سنويا آلاف المسلمين العوام أو غير المسلمين من مختلف بلدان العالم, باذلين لذلك أموالهم وأرواحهم وكل ما يملكونه في سبيل ذلك.

إن العالم الإسلامي اليوم لم يدرك بعد حقيقة الخطر الذي يحدق حولنا, أقول هذا الكلام, وأشهد الله تعالى أن قلبي يتحرق لما أقوله, فأعداء الإسلام اليوم – بعيدا عن ساحات السياسة العالمية- يراقبون كل صغيرة وكبيرة, ويعلمون عن المسلمين دقائق أمورهم في مجالاتهم العلمية وكل ما يصدر عنهم من منتوج ثقافي علمي, إن المستشرقين اليوم لم يعد لهم ذلك الاهتمام السائد من قبل من التعرف إلى الإسلام ودراسته دراسة نظرية, بل تعدى ذلك إلى التوقيع عن المسلمين والتفكير لهم ودفع السم لهم حتى يوقعوا نتائجهم التبشيرية في أدمغة المسلمين ومجالاتهم الفكرية, وكم رأينا من علماء الغرب ومفكريهم من يهتمون بالإسلام وبدراستهم دراسة استنكافية من غير ملل أوضجر, وعمت الكتب مؤخرا الجامعات والمكتبات وميادين الأبحاث العلمية حول الإسلام ونظامه التشريعي والدراسات حول القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة, وإنني –يعلم الله- أنني أجد حرجا بالغا جدا حينما أقول أن المسلمين عجزوا أن يقدموا تراثهم إلى العالم, لكن النصارى تعلموا تراث المسلمين وتبغوا فيه ونقلوه إلى العالم كما يحلو لهم, بل حتى فيما كتب حول النصارى أنفسهم, وليس أدل من هذا الكلام أن المسلمين مثلا عجزوا أو تعاجزوا عن ترجمة الكتاب الجليل لشيخ الإسلام ابن تيمية "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" إلى اللغة الإنجليزية منذ 7 قرون, ليأتي في السنوات الأخيرة مبشر قسيس أمريكي وهو البروفسور الآب ميشال توماس ليتولى ترجمة الكتاب إلى اللغة الإنجليزية كما يحلو له أن يترجم, وليكون الكتاب لعبة بين يديه لينال به رسالة الدكتوراه في كتاب شيخ الإسلام في دحض عقيدته, كنت أبحث عن الكتاب منذ أن سمعت به قبل شهور, وحصلت عليه أخيرا, ولك يا مسلم أن تبكي حين تتصفح الكتاب, ونحن نتغنى بكتب بشيخ الاسلام ليل نهار, أذكر كذلك كتاب المبشر الأمريكي شارلز كيمبال في كتابه الأخير:"عندما يصبح دينا شرّاًَ" الذي يذكر هذا الشر- ويقصد به الإسلام- القادم من الشرق الأوسط وكيفية المواجهة, أو أذكر كتاب المبشر القس أكيمان في كتابه:"المسيح قادم إلى الصين" الذي يرسم عبر هذا الكتاب معالم نشر المسيحية وكيفية هدم الأديان الأخرى في الصين وعلى رأسها الإسلام, وغيرها من الكتب والبحوث والمحاضرات كثير.

إنه بكثرة عدد المستشرقين النصارى واليهود العالمين بالإسلام والمتفرغين له, نجد هذا الفراغ الرهيب بين المسلمين في معرفة ما يدور بخلد النصارى وجعبتهم وتراثهم, ولم تجد من المسلمين من انبرى لهذا إلا القليل, وإذا كنا –نحن المسلمين- قد أطلقنا كلمة "المستشرقين" على من انبرى من الغربيين في الدراسات والبحوث الفكرية الإسلامية, فإننا عجزنا عن استحداث مصطلح "المستغربين" لنكون جيلا من الباحثين والعلماء المسلمين المتعمقين في الفكر الديني الغربي والدراسات التبشيرية الدينية.

والكل يعلم ماهي مكانة الوعي الإسلامي تجاه هذه الأخطار التي تحوم حول المسلمين وحول فكرهم, لقد نجح الصليبيون نجاحا باهرا وبتخطيط دقيق متين في حصر أدمغة المسلمين وفكرهم بين كابول والفلوجة وأبوغريب, ليتسنى لهم المناطق الأخرى من العالم لنشر عقائدهم وتياراتهم في غياب المسلمين.






__________________
مؤسسة الفا بتك ديزاين

www.lindowz.com
kingq8 غير متواجد حالياً   قديم 31-10-2005, 05:14 AM
رد مع اقتباس