الاتصال بنا



النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قصة من تأليفي.......... أمي العزيزة

  1. #1


    أمي العزيزة



    امتلأت عينيها دموعاً عندما رأتني خارجاً إلى الحرب , ملحنةً بتلك الدموع فراقي الحزين لها , انسابت تلك الدموع من مقلتيها وانحدرت فوق خديها الأحمران و هي ترى علامات التصميم على الخروج في عيني .
    أسرعت باتجاهي فأمسكت بيدي وهي تخاطبني بكلماتٍ قد ملأتها أحرف حزينة قائلةً " لا تذهب يا ولدي , إنك الوحيد ممن بقي حياً من أبنائي , كلهم أضحوا شهداء في سبيل الوطن , أرجوك ... ابق معي ... لا تذهب ... لا أستطيع البقاء بدونك يا ولدي ... أرجوك ... ابق معي ... لا تذهب ... أرجوك ... أرجوك ... " .
    لم يستطع قلبي أن يتحمل أكثر من هذا , فأدمعت عيني كثيراً , لكني تحاملت على نفسي و قلت لها " إنني ماضٍ في طريق أخوتي نحو الشهادة , إنني فداء لوطني يا أمي" لكنها أمسكت بيدي وراحت تقول لي و الدمعة الحزينة مازالت باقية في عينيها " لكنك لن تعود إذا ذهبت للحرب ... وهذا ما لا أريده " فأجبتها مطمئناً إياها قائلاً " لكني إذا لم أرجع , فسأراك في الجنة يا أمي ".
    بعد تلك الكلمات المطمئنة ... لم أدر ما حل بأمي , كأنها فقدت وعيها و إحساسها ... فوقفت ساكنةً في مكانها , و لم تتحرك أبداُ عندما رأتني أخرج من البيت في طريقي إلى أرض المعركة , ولكن ... بعد ثوانٍ من خروجي , سمعت أمي المفجوعة بي تصرخ و تنادي بأعلى صوتها " ولدي ... قرة عيني ... ارجع إلي ... لا تذهب ... ولدي ..." لكنني لم أرجع , لأني كنت أعلم أن الرجوع يؤدي إلى فقدان الأمل بالخروج مرة أخرى .
    اتجهت إلى معسكر الجيش , وهناك تدربت مع الجيش لمدة ثلاثة أشهر على فنون القتال ... لكنها لم تكن مدة كافية في نظري الشخصي .
    وبعد التدريب , توجهنا مع أحد الكتائب إلى أرض المعركة , لكن قبل أن نصل إلى هناك , فاجأنا العدو بالمدافع من كل مكان , فلم نستطع أن نفعل أي شيء سوى الدعاء والرجاء والبكاء على موت الأحبة . قتل وجرح منا الكثيرين ... أما أنا فقد أصبت إصابةً بليغةً أفقدتني الوعي .
    فتحت عيني , وإذا بي أجد نفسي على أحد الأسرة في عيادة من العيادات . حاولت أن أتحرك , لكني لم أستطع ذلك , فنظرت إلى جسمي فعرفت السبب ... لقد كان ذلك بسبب الأربطة التي تلف كل جسمي بسبب الجروح والإصابات التي حلت بي أثناء الحرب .
    نظرت حولي فرأيت الشيء الذي زاد الضيق في نفسي ... رأيت أعلام العدو وهي تزين العيادة التي أنا فيها , معنى ذلك أنني أسير عند أعدائي .
    كانت الغصة تزداد في كل مرة أرى فيها أعدائي أمامي و أنا لا أستطيع فعل أي شيء . كنت دائماً أتمنى الموت على البقاء أسيراً عندهم , ولكن هذا هو القدر .
    بدأت التماثل للشفاء بعد أشهر من اللوعة و الغصة الكامنة في أعماقي المحطمة ... أخذت تلك الأربطة التي تلف جسمي بالاختفاء شيئاً فشيئاً مع مرور الزمن , إلى أن استطعت استعمال يدي المقيدتين و من ثم الوقوف على رجلي و المشي عليهما لكن مع العكاز الذي لازمني طويلا ً ...
    في إحدى الليالي , كنت جالساً على سريري أنظر إلى قيود الذل الموضوعة في يدي ... و أتذكر لحظات مفارقتي لأمي العزيزة , أتذكر توسلاتها الباكية ... أتذكر دمعتها الجارية ... أتذكر صرختها الباقية ... لكن دموع الذكريات قد توقفت عندما رأيت جنديين من جنود العدو وهما يربطان عيني بقماش أسود , ويأخذانني إلى مكان لم أعرف ما هو إلا عندما رفع القماش , لقد أخذاني إلى المحكمة العسكرية للعدو ووضعاني في قفص الاتهام .
    لم أكن وحدي في قفص الاتهام , فقد كان معي الكثير من الجنود الذين كنت معهم في الكتيبة المتجهة للحرب و التي وقعت في الفخ الذي نصبه العدو لنا في الطريق , و من أمامنا جلس القاضي ومن حول القفص وقف بعض الجنود .
    بدأت المحاكمة و حيث كان القاضي يلقي اسم المتهم و من ثم يلقي عليه تلك التهم الباطلة و بعدها يدينه من دون أدلة أو براهين , ثم يحكم عليه تلك الأحكام الجائرة التي وصلت إلى حد الإعدام .
    جاء دوري , حيث مثلت أمام ذلك القاضي الظالم ... وجه إلي تهماً كثيرة و التي منها الإرهاب و محاربة أمن الدولة والكثير الكثير من التهم الباطلة التي لا دليل يؤكد صحتها مطلقاً , ثم بعدما فرغ القاضي من ادعاءاته , سألني قائلاً " هل لديك أدلة تثبت براءتك ؟ " لقد كنت أعلم أنه حتى ولو أعطيته الأدلة فسوف يحكم على أحكامه الجائرة , فقلتها ولم أخف من عاقبة الجواب " إنني فداء لوطني " .
    احمر وجهه من شدة الغضب عندما سمع كلمة الحق , ولا أخفي عليكم أنه عندما رأيت الغضب الشديد في وجهه أحسست بالرهبة قليلاً ... ظننت في البداية أنه سيحكم علي بالإعدام , لكنه حكم بسجني انفراديا و من دون أن يذكر مدة السجن .
    بعد تلك الأحداث أخذوني إلى دهاليز و ممرات ضيقة تحت الأرض , إلى أن وصلت إلى سجني , حيث رموني فيه و أقفلوا علي الباب وذهبوا في طريقهم .
    كان السجن مظلماً لدرجة أنه لم أستطع أن أرى يدي ... فبدأت أتحسس السجن وسط الظلام , كان صغيراً و لا يوجد به شيء سوى سريرٍ خشبي ...
    جلست في أحد أركان السجن , و وضعت رأسي على ركبتي ... و أخذت دموعي تنهمر على الوجنتين , معبرةً عن حزني بما حل بي , ثم طارت الخواطر بي في سماء الذكريات ... التي ذكرتني بأمي العزيزة ... إلى أن غلبني النعاس , فرحت في نوم عميق تتبعه أحلام و أحلام و أحلام ...
    استيقظت في الصباح على صوت الباب و هو يفتح , أطل من خلفه أحد الجنود الذي أخرجني من السجن و أخذني وسط الممرات الضيقة من جديد , سألته " إلى أين ستأخذني ؟ " لكنه لم يجب على سؤالي وكأنه لم يسمعني مطلقاً . ظللنا نمشي إلى أن وصلنا إلى ساحة التعذيب و الإعدام , أوقفني هناك مع حشدٍ كبير من المساجين حول ساحة الإعدام , لم أكن أعلم ما يحدث , لقد أتى بي ذلك الجندي و تركني هنا مع المساجين وكأن شيئاً سيحدث في هذا المكان .
    أخذت أنظر من حولي إلى الساحة , كانت ساحةً واسعة , مكشوفةً على الشمس من الأعلى . أخذت أنظر إلى أساليب التعذيب والإعدام لديهم, كانت أساليبهم تروع القلوب وتبكي الأنفس ... تدل على أن الرحمة قد طارت من قلوبهم وحلت محلها القسوة و العنف والإجرام , أساليب لم يرها إنسان على وجه الأرض , أو حتى لم تدق أبواب مخيلته المحدودة , أساليب لا يستطيع أن يصفها عقل من شدة ترويعها .
    وبعد نظرات مروعة ... أحضر أحد المساجين إلى وسط الساحة , وكان ممن حكم عليه بالإعدام ليلة الأمس, يداه كانتا مقيدتان إلى الخلف . تركوه للحظة وكأنهم يريدون منا إلقاء النظرات الأخيرة عليه .
    بدأت طبول الإعدام تدق ... حضر سياف و بيده سيف حاد , كان شكل السياف مخيفاً لدرجة كبيرة , إنه لا يحتاج إلى سيفه لكي يعدم الأبرياء ... لأن شكله فقط يزهق الأرواح .
    وقف مطير الأرواح أمام المحكوم عليه , رفع السيف , صرخ صرخةً عالية ثم أنزل السيف على عنق المسكين ... سقط الرأس وتدحرج على الأرض ... أما الجسد فقد سقط في الجهة الأخرى وقد طارت الروح إلى بارئها .
    أحسست بالدماء قد تجمدت في عروقي بعدما رأيت ذلك المنظر البشع, أي قلبٍ يستطيع أن يتحمل هذا الموقف الذي جرح كل القلوب , أي قلب يستطيع الثبات بعدما رأى الموت بهذه الطريقة .
    بعد ذلك أرجعونا إلى سجوننا , لكن بعد أن أداروا علينا الحرب النفسية , بعدما رأينا طرق التعذيب و الإعدام لديهم , كي لا نفكر أن نثور ضدهم أو نفعل أي شيء آخر .
    أدخلت سجني المظلم وأنا في حالة نفسية سيئة , جلست على السرير الخشبي ووضعت يدي على رأسي ورحت أتذكر الأحداث التي وقعت قبل قليل , رأس يتدحرج على الأرض ... جسد بلا رأس يهوي على الأرض ... دماء تتصبب في كل مكان ... لم أستطع أن أتمالك نفسي من الحزن الكامن في قلبي , فصرخت صرخةً دوت في كل مكان ... وتردد صداها مراتٍ و مرات وهو يحمل معه الآلام و الأحزان الباقية في قلبي كلما تذكرت تلك اللحظات المؤلمة .
    وتمضي الأيام ومعاناتي في هذا السجن تزداد شيئاً فشيئاً , أعاني من أشياء كثيرة... أعني من الظلام , فمن شدته لا أستطيع أن أفرق بين نهار وليل , لا أعرف أنه نهار إلا عندما يأتيني السجان بالطعام , ولا اعرف أنه ليل إلا عندما يغلبني النعاس ... أعاني من الوحدة , ففي سجني هذا أجلس وحيداً , صامتاً , لا أخاطب أحداً سوى خواطري المملوءة بالآهات . أكاد أن أفقد عقلي من شدة الوحدة , أعاني من الأمراض التي ابتليت بها من سوء التغذية , فلا آكل في اليوم غير وجبةٍ واحدة , ويا ليتها كانت وجبة صحية , أعاني من آلام الإهانة و الضرب و التعذيب ... أعاني من الكثير الكثير .
    مرت علي سنين كثيرة من المعاناة في سجون ومعتقلات العدو , إلى ما يقارب العشرين عاماً كنت فيها قد فقدت الأمل بالخروج من الموت إلى الحياة من جديد , كنت متيقناً بالبقاء هنا إلى أن أفقد حياتي مرة أخرى بعدما فقدتها عندما عندما عرفت أنني أسير, كنت أعتقد أن حريتي ستبقى خلف القضبان إلى أن تنتقل روحي إلى بارئها , و كأن السجن قد أصبح قبراً للأحياء في معتقلات العدو .
    كنت قد تمنيت ألف مرةٍ لو حكم علي ذلك القاضي بالإعدام , لأنه لو فعل ذلك لأراحني كثيراً من عذاب السجون .
    كنت جالساُ في أحد الأيام أتهامس مع خواطري الحزينة , ففوجئت بالباب وهو يفتح و يطل من خلفه أحد السجانين فيقيد يدي ويعصب عيني بسوادٍ ثم يأخذني معه , كنت أعتقد أنه سيأخذني إلى ساحة التعذيب كالعادة , أو إلى سجنٍ آخر ... لكنه أخذني إلى مكانٍ آخر فقد عرفت ذلك من الخطوات التي خطيناها , لأني كنت حفظت كل خطوة أو انعطاف في هذا السجن .
    أخذني السجان من مكان إلى مكان , إلى أن أجلسني على كرسي , ومن ثم سمعت صوت محركٍ يدور بانتظام , وكأنني جالس في سيارة .
    ظللنا على هذه الحال إلى أن أحسست بالسيارة وهي تقف , أنزلت منها برفقة أحد الجنود ... وأخذ ذلك الجندي يفك قيودي و يقول لي" انطلق إلى الحرية " ثم بعدها سمعت صوت السيارة وهو يترشى عن مسمعي
    تردد صدى تلك الكلمات في أذني" حرية " هذه الكلمة التي لم أسمعها منذ عشرين عاماً , هل يا ترى هل تحققت الآن ؟
    رفعت السواد عن عيني , فرأيت نفسي وسط صحراء قاحلة ... وقد ابتعدت السيارة كثيراً ... ورأيت الشيء الذي لم أره منذ زمن طويل ... لقد رأيت نور الشمس الجميلة ... لكن الأهم من ذلك هو أنني نلت حريتي ... لكن لماذا ؟ ... هل امتلأت سجونهم ... أم أن فترة السجن قد انتهت ... أم أنه هناك سبباً آخر ... لكن المهم هو أنني قد خرجت من الموت إلى الحياة ... خرجت من ألم الوحدة إلى أمل مخالطة الناس ... لكن ... كيف سأخالط الناس وأنا في هذه الصحراء القاحلة ... لقد رماني العدو هنا وتركني أصارع من أجل البقاء . كان الحل الوحيد لدي هو المشي ... فلعلني ربما أجد أناساً ... أو أصل إلى أحد المدن القريبة من هنا ...
    بدأت مسيرة المشي تهت لهيب الشمس الحارة إلى أن حل المساء ... في ذلك الوقت ... كان العطش قد أذبل شفتي , وقد خارت قواي من المشي الطويل على رمال الصحراء ... لكنني لم أستسلم تحت تلك الظروف القاسية ... فتحاملت على نفسي وأكملت المسير إلى أن بدأت خيوط الفجر بالظهور شيئاً فشيئاً ... وفي ذلك الوقت ... كنت من شدة التعب أزحف من تلةٍ إلى أخرى ... حتى وصلت إلى قمة أحد التلال ... فنظرت إلى الأسفل ... إلى أن رأيت أمل البقاء ... رأيت أمل الحياة الجديدة ... رأيت أضواء المدينة ... فأغمي علي من شدة التعب ... لكني كنت مرتاح البال بعدما رأيت أمل العيش من جديد ...
    فتحت عيني ... فرأيت نفسي على سريرٍ في أحد الغرف ... وكان الوقت في ذلك الحين يقارب منتصف الليل ... بدا على وجهي الاستغراب ... أخذت أتذكر الأحداث التي جرت علي بالأمس ... لقد كنت أسير في وسط الصحراء القاحلة ... فما الذي أتى بي إلى هنا ؟ ...
    ظللت أسبح في بحر التفكير حتى سمعت صوت الباب وهو يفتح ببطء وتطل منه عجوز وبيديها بعض من الطعام ... سألتها باستغراب " من أنت ؟ ... وما الذي أتى بي إلى هنا ؟ ... " لم تجبني ... بل وضعت الطعام على الأرض وقالت لي " كل أولاً , لأن الجوع والتعب قد بانا على وجهك , وبعدها سأخبرك بكل شيء " ... وبعدما أكلت وانتهيت ... سألتها من تكون وما الذي أتى بي إلى هنا ... فقالت لي أن اسمها ليلى وأنها خرجت بالأمس كعادتها مع قطيع من الإبل والغنم إلى الواحة ... وفي طريق العودة ... وجدتني ملقي على الأرض ... فوضعتني على الإبل وقد أتت بي إلى هنا ...
    وبعدما انتهت من كلامها ... طلبت مني بكل لطف أن أنام كي أرتاح من المسيرة المتعبة التي قطعتها بالأمس ...
    استلقيت على فراشي بعدما طلبت مني ليلى ذلك ... وفي عالم الأحلام ... رأيت نفسي أمام بيتٍ صغير ... ومن داخل ذلك البيت ... كنت أسمع صوت أنين ضعيف يكاد يصل إلى أذني ... فدخلت إلى البيت ... فوجدت أربعة أبواب ...أصغيت ملياً إلى صوت الأنين ... تتبعت الصوت ... كان يرتفع شيئاً فشيئاً إلى أن وجدت نفسي أمام الباب الرابع ... فأردت أن أفتحه لكني أحسست أنني أعرف ذلك الصوت ... وكأنني سمعته فيما مضى ...
    وضعت بيدي على رأسي وأردت بذلك أن أتذكر ذلك الصوت ... وفجأة سمعت ذلك الصوت الضعيف يناديني ويقول لي " ولدي ... لقد عدت إلي أخيراً ... "
    لم أستطع أن أصدق أنني سألتقي بأمي مرةً أخرى بعدما ودعتها قبل عشرين عاماً ... ناديتها وقد اختلطت الابتسامة بالدموع " أمي ... لقد عدت إليك بعد طول غياب ... عدت إلى أحضانك ... عدت إلى ابتسامتك يا أمي ... لقد عدت يا أمي ... "
    دخلت إلى الغرفة فوجدت أمي وهي راقدة على الفراش من شدة المرض ... استقبلتني بابتسامة الأمومة الرقيقة وهي تقول لي " اقترب مني يا ولدي اقترب ... " لكنني سألتها قبل ذلك " وكيف آت إليك يا أمي في عالم اليقظة " فأجابتني وما زالت الابتسامة بين شفتيها " اسأل ليلى عني ... " وانتهى الحلم ...
    أفقت من نومي بعدما رأيت ذلك الحلم الذي جمعني بأمي العزيزة ... كان الوقت مازال في منتصف الليل ... وفي ذلك الوقت الذي لم أذق فيه طعماً للنوم بسبب ذلك الحلم الذي جدد الأمل في عروقي بملاقاة أمي ... في ذلك الوقت الذي كانت فيه كل حواسي منصبة في ذلك الحلم الذي رأيته ... والذي جعل الساعات تمر بسرعة حتى بان الفجر ولكني مازلت أفكر في ذلك الحلم ... هل هو حقيقي ؟ أم أنه كما يقال أضغاث أحلام ؟ لكن الجواب الشافي سيكون عند ليلى ... إذا كانت تعرف شيئاً عن أمي سيكون ذلك الحلم حقيقة ... وبعدها سأرى أمي بإذن الله ... أما إذا لم تكن تعرف شيئاً ... فسيكون ذلك الحلم مجرد عبرة تذكرني بأمي العزيزة فقط ويزيد بذلك أحزاني المريرة القابعة في أوساط قلبي الكتوم ...
    ظللت أفكر حتى انفتح باب الغرفة ودخلت منه ليلى ... ترددت كثيراً قبل أن أسألها عن أمي ... لكنني سألتها في النهاية ... قلت لها " أتعرفين امرأة هجرها ولدها وذهب للحرب قبل عشرين عاماً وهي الآن تسكن في بيت صغير ... " وقد وصفت لها ملامح ذلك البيت ناقلاً كل ما رأيته في الحلم ...
    سكتت ليلى قليلاً ... ثم قالت لي " وكيف تعرف كل هذه التفاصيل ؟ ... " في ذلك الوقت ... كانت ابتسامتي قد عادت بعد عشرين عاماً من الهم والغم ... في ذلك الوقت اعتلتني موجة من الفرح والسرور وعرضت الابتسامة في وجهي لأن ذلك الحلم الذي رأيته كان حقيقة ولأنني سأرى أمي بإذن الله ...
    ظلت تلك الابتسامة على وجهي ... وظلت كذلك ليلى تنتظر الإجابة مني ... إلى أن طال عليها الانتظار ... فاقتربت مني وأخذت تحملق في وجهي وتناديني باسمي ... لكني لم أرها ولم أسمعها أيضاً لأنني كنت منشغلاً بالتفكير برؤية أمي التي لم أرها منذ أن خرجت للحرب قبل عشرين عاماً ... إلى أن ضاق عليها الانتظار ... فأخذت تهزني بقوة وتقول لي " عد إلى وعيك وأجبني ... من أين لك كل هذه التفاصيل ؟ ... " عدت إلى وعيي بعد حالة من الفرح والسرور وأخبرتها عن الحلم الذي رأيته ليلة الأمس ...
    بعدما سمعت ليلى كلامي ... انتابتها الابتسامة هي أيضاً ... وتقاطرت الدموع من عينيها ... وأخذت تعاتبني والدموع تجري قطراتٍ قطرات ... " أتدري ماذا حصل لأمك بعد تركك لها ؟ أتدري كم عانت بعد فراقك لها ؟ أتدري كم تساقطت الدموع من مقلتيها؟ أتدري كم عاشت حزينة مهمومة ؟ أتدري كم أحنت برأسها أمام الناس من أجل كسرة خبز ؟ ... أتدري ؟ ... "
    طأطأت برأسي خجلاً بعدما سمعت تلك الكلمات الحزينة ... وتساقطت الدموع من عيني على الأرض ... لكنني رفعت برأسي وقلت لليلى وعلامات الجدية قد بانت على وجهي " لكنها لن تقاسي بعد الآن ... ستعود الابتسامة إلى شفتيها ... ستعيش حياة كريمة ... ستبقى مرفوعة الرأس ... لن تعيش ذليلة بعد الآن ... "
    وبعد هذا وذاك ... طلبت من ليلى أن تأخذني إلى أمي ... ففعلت ذلك وأخذتني وأوصلتني إلى بيت أمي الذي كان طبقاً لما رأيته في الحلم ... دخلت بمعيتها إلى البيت ... توجهت ومن دون تردد إلى الغرفة الرابعة ... لكن ليلى استوقفتني وقالت لي أنها ستدخل قبلي وستناديني عندما يصبح الوقت مناسباً لدخولي ... فوافقت على ذلك ومن دون تردد ...
    دخلت ليلى في البداية وأغلقت الباب ... أما أنا فوضعت بأذني على الباب ورحت أستمع للحديث الذي دار بينهما ... بعد التحية والسلام ... سمعت أمي تكلم ليلى بصوت ضعيف أكاد لا أسمعه لكنني سمعت ما مضمونه أنها شعرت أنها رأتني ليلة الأمس في البيت ... ولم أسمع بعدها شيئاً ... ثم سمعت ليلى تسأل أمي وتقول لها " هل لديك أمل أنه مازال على قيد الحياة ؟ ... " فسمعت أمي تجيبها بعد صمت طويل... بنبرة حزينة " نعم ... كل الأمل ... إنه إحساس الأمومة " ثم سمعت صوت بكائها المرير الذي قد زاد الحرقة في قلبي ...
    لم أستطع انتظار نداء ليلى ... فدخلت الغرفة فرأيت أمي وهي على السرير ... وفي حالةٍ يرثى لها من المرض ... فأدمعت عيني حزناً على حالها المؤلم ... وقلت لها والدموع مازالت تجري " لقد رجعت إليك يا أمي ... "
    التفتت إلي أمي وقالت " من ؟ ولدي ؟ أكاد لا أصدق ... هل أنا أحلم ؟ ... " ومن ثم أمدت إلي بيدها وهي تقول " أرجوك ... اقترب مني يا ولدي ... اقترب كي أحس بدفء يديك ... "
    أسرعت باتجاهها ودموع اللقاء قد بدأت بالجريان ... أمسكت بيدها الرقيقة ... ورحت أقبلها وسط دموعي وأخذت أقول لها " لعد عدت إليك يا أمي ... عدت لكي أمسح دموع الماضي ... عدت لكي تعيشين عزيزة النفس ... مرفوعة الرأس ... وداعاً لسنين الذل المريرة ... عدت إليك يعد غيابي الطويل يا أمي ... "
    انحدرت الدموع من عيني أمي وهي تقول لي " لكنك لن تبتعد عني بعد الآن يا ولدي ... لن تتركني أعاني من قسوة الحياة المريرة ... أليس كذلك يا ولدي ؟ ... " فأجبتها ومازالت يدها بين يدي " بلى يا أمي ... لن أتركك مهما حصل ومهما طال الزمن "
    سادت لحظة صمت كنت أنتظر فيها جواب أمي ... لكنها لم تجب ... أحسست أن دفء يديها قد اختفى ... نظرت إلى عينيها فوجدتهما قد توقفتا عن الحركة ... أناديها أخذت أهزها وأناديها " أمي ... أجيبيني يا أمي ... أمي ... أمي ... " لكنها لم تجبني ...
    نظرت إلى ليلى ... فوجدتها تبكي وتقول " لقد ماتت ... " لم أستطع أن أصدق أن أمي قد فارقت الحياة ... فصرخت " لا يمكن أن يحدث هذا ... لا يمكن ... " حاولت ليلى أن تهدئ من أعصابي بقولها " لا تبك ... لقد نامت أمك قريرة العين بعدما رأت تلك العزيمة في عينيك ... لقد ماتت وهي فخورة بك بعدما عدت إليها ... "
    وبعدما سمعت تلك الكلمات التي هدَأت أعصابي ... أمسكت بيدي أمي الباردتين ورحت أردد والدمع قد ملأ عيني " وداعاً يا أمي العزيزة ... وداعاً ... "

    النهاية


    شراكم فيها ؟










    أبو إبراهيم غير متواجد حالياً


  2. #2



    هي صحيح القصه طويله بس تستاهل

    وانا متعود اقرأ قصص اجاثا كريستي

    .
    .

    كلام جميل

    هذا الاسلوب يعتمده الكتاب لتسهيل العمل على من سيكتب النص

    نجد التفاصيل متوفره في كثير من وصلات القصه

    لا تعليق على القصه من ناحيتي ، لان تعليقي على قصتك السابقه قد وصل وانت لديك الاختيار في الاسلوب

    رائع





    __________________
    قـــ قوس ـــلم الحـــ الحب ـــب
    قوس الحب غير متواجد حالياً

  3. #3
    عضو نشيط جدا
    تاريخ التسجيل
    Apr 2000
    المشاركات
    393


    صراحه القصة طويله جداً

    لكن أعدك بأني سأقرأها على مهل الحين اسويلها سيف

    وارد لك بإذن الله أبو ابراهيم غالي علينا ....





    __________________
    خذ وخل

    فتى الشمال غير متواجد حالياً





ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
0