هل انفصلت العائلات بسبب وسائل التواصل؟

كتب: ايمن عبد الله
“هل انفصلت العائلات بسبب وسائل التواصل؟” هذا الطرح لا يمثل مبالغة درامية، بل توصيفًا واقعيًا لما يشعر به كثيرون داخل بيوتهم دون أن يجدوا له اسمًا واضحًا.
نحن لا نتحدث دائمًا عن طلاق أو انفصال رسمي، بل عن شكل جديد من انفصال العائلات يحدث بهدوء، حين يجلس أفراد الأسرة في المكان نفسه، لكن كل واحد منهم حاضر بعقله في عالم آخر خلف شاشة هاتفه.
هذا الانفصال لا يبدأ بخلافات كبيرة، بل بتراجع الحوار اليومي، وقلة الإصغاء، واستبدال اللحظات المشتركة بتصفح لا ينتهي، حتى يصبح القرب الجسدي بلا معنى اجتماعي حقيقي.
هل انفصلت العائلات بسبب وسائل التواصل؟
ما يزيد المشهد تعقيدًا أن وسائل التواصل لا تعمل كأداة محايدة، بل كمنظومة مصممة اقتصاديًا لجذب الانتباه أطول وقت ممكن. تقارير الاستخدام الحديثة تشير إلى أن متوسط الوقت اليومي على شبكات التواصل يتراوح غالبًا بين ساعتين ونصف وثلاث ساعات عالميًا، وقد يرتفع لدى فئات الشباب إلى أربع ساعات أو أكثر. هذه الساعات ليست مجرد “وقت ضائع”، بل هي وقت مسحوب من سياقات اجتماعية أخرى كانت تاريخيًا تُغذّي الروابط الأسرية: حديث نهاية اليوم، مشاركة الاهتمامات، متابعة الأطفال، أو حتى صمتٌ مشترك بلا شاشة.
كيف تعمل المنصات على تفكيك الوقت العائلي دون أن نشعر؟
لفهم أثر وسائل التواصل على الأسرة علينا أن نفهم ميكانيكا الانتباه. المنصات الحديثة تبني تجربة تُشبه آلة تعزيز سلوكي: إشعارات، تفاعلات، مكافآت صغيرة متكررة، ومحتوى لا نهائي. هذه العناصر تُنتج ما يمكن تسميته “تقسيم الانتباه” داخل المنزل. بدل محادثة كاملة مع شريك الحياة، يصبح هناك محادثة مقطوعة بإشعارين. وبدل متابعة طفل يروي يومه، يصبح هناك حضور جسدي وغياب ذهني.
الدراسات السلوكية في مجال التركيز تشير إلى أن المقاطعات المتكررة تقلل القدرة على الدخول في تركيز عميق، وأن استعادة التركيز بعد مقاطعة قصيرة قد تستغرق في المتوسط قرابة 20 دقيقة. إذا نقلنا هذا إلى الحياة الأسرية فالمعادلة تصبح أوضح: مقاطعة صغيرة أثناء حديث مهم قد تُسقط “حرارة اللحظة” وتحوّل الحوار من تواصل حقيقي إلى جمل متقطعة. ومع التكرار، تتكوّن عادة جديدة: تجنب الحديث أصلًا لأنه “لن يكتمل”.
هنا لا تكون المشكلة أن الأسرة لم تعد تحب بعضها، بل أنها لم تعد تملك المساحة الزمنية والنفسية لبناء هذا الحب يوميًا. العلاقات لا تنهار غالبًا بسبب حدث واحد، بل بسبب تآكل بطيء ناتج عن غياب التفاصيل الصغيرة: الإصغاء، المشاركة، والتواجد الكامل.
انفصال العائلات بين الواقع والإحصاء: ماذا تقول الأرقام؟
الأرقام لا تقول إن وسائل التواصل “تسبب الطلاق” بشكل ميكانيكي، لكنها تشير إلى علاقة قوية بين الإفراط غير المنضبط في الاستخدام وبين ارتفاع التوترات اليومية داخل العلاقات. في استطلاعات دولية متعددة حول أسباب الخلافات الزوجية الحديثة، تظهر “الانشغال بالهاتف” و”الوقت الزائد على الشبكات” كأسباب متكررة للخلاف، خصوصًا عندما يتحول الاستخدام إلى نمط هروب من النقاش أو من المسؤوليات.
وهناك رقم اجتماعي شديد الدلالة: نسبة كبيرة من المستخدمين تعترف أنها تتفقد الهاتف خلال تفاعلات اجتماعية مباشرة، وبعض الاستطلاعات تضع هذه النسبة فوق 60% في فئات عمرية معينة. معنى ذلك أن “اللحظة المشتركة” نفسها أصبحت ملوّثة باحتمال الانقطاع. وهذا يفسر لماذا يشعر أحد الطرفين أحيانًا بأنه “غير مرئي” رغم وجود الآخر أمامه.
كما أن الإعلانات المدفوعة وخوارزميات المقارنة الاجتماعية تلعب دورًا لا يقل خطورة. عندما يتعرض الفرد يوميًا لسيل من صور “الحياة المثالية”، تتشكل معايير جديدة للحكم على الذات وعلى الأسرة. كثير من الدراسات النفسية الحديثة تربط بين الاستخدام المكثف وبين ارتفاع مشاعر عدم الرضا والمقارنة، وهذه المشاعر حين تدخل البيت تتحول بسهولة إلى نقد، أو ضيق، أو إحباط، ثم إلى صراع. ليست المشكلة في الصورة، بل في تحويلها إلى معيار يقيس به الإنسان حياته الحقيقية بكل ما فيها من تعب ومسؤولية.
إذاً، نعم: يمكن أن تساهم وسائل التواصل في انفصال العائلات، لكن غالبًا ليس بمعنى الانفصال الرسمي، بل بمعنى الانفصال العاطفي؛ ذلك النوع الذي يسبق أي قرار قانوني، ويظهر في فتور الحوار، وغياب الاهتمام، وتراجع الشعور بالأمان داخل البيت.
لماذا لا ينفصل الجميع؟ عوامل الحماية داخل الأسرة
من الخطأ أن نُحمّل وسائل التواصل المسؤولية كاملة، لأن كثيرًا من الأسر تستخدمها دون أن تتفكك. الفارق عادةً ليس في وجود المنصات بل في “نظام الاستخدام”. الأسر التي تضع قواعد واضحة للوقت المشترك تكون أكثر مقاومة للتآكل. والأسر التي تعترف بالمشكلة مبكرًا وتُعيد ضبط العادات اليومية غالبًا ما تحول وسائل التواصل من عامل تفكيك إلى أداة دعم.
تقنيًا، أهم نقطة هنا هي استعادة “سيادة المستخدم” على الخوارزمية. الخوارزمية تريدك أن تعود، لكن قرار العودة يمكن التحكم فيه. عندما يتحول الهاتف من قائد للسلوك إلى أداة تُستخدم بوعي، يقل أثره التفكيكي تلقائيًا. الأسرة لا تحتاج أن تعيش بلا هواتف، لكنها تحتاج أن تستعيد قيمة اللحظة المشتركة: عشاء بلا إشعارات، ساعة يومية بلا شاشات، أو حتى اتفاق بسيط أن يكون الهاتف بعيدًا عند الحوار الجاد.
كما أن بناء عادات “تواصل قصير متكرر” داخل البيت يقلل الحاجة للهروب الرقمي. الإنسان يهرب إلى الشاشة غالبًا عندما يشعر بالضغط أو العزلة أو عدم الفهم. إذا وجد مساحة آمنة داخل المنزل للكلام والفضفضة، تقل الحاجة إلى البحث عن تعويض رقمي سريع.
في النهاية، وسائل التواصل ليست عدوًا للأسرة بذاتها، لكنها تصبح عدوًا عندما تُدار بعشوائية. هي تضخم ما هو موجود أصلًا: إن كانت العلاقة هشة ستكشف هشاشتها بسرعة، وإن كانت العلاقة قوية يمكن أن تُستَخدم لتقويتها، شرط أن لا تتحول إلى بديل عن الحضور الإنساني.
الخلاصة أن السؤال الحقيقي ليس: هل انفصلت العائلات بسبب وسائل التواصل؟ بل: هل سمحنا للتقنية أن تسرق من الأسرة أثمن ما تملك: الوقت والانتباه؟ عندما نعيد إدارة الوقت، ونضبط الإشعارات، ونُعيد الاعتبار للمحادثة الكاملة، يصبح البيت أكثر مقاومة لأي خوارزمية، وأقوى من أي شاشة.
لا يسمح بنقل هذا المحتوى من سوالف دون الاشارة برابط مباشر





