الأرباح من فيسبوك وإكس (X): تحليل تقني مقارن لأيهما أفضل لصناع المحتوى

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد ساحات للتفاعل الاجتماعي، بل تحولت إلى منظومات اقتصادية رقمية متكاملة تتنافس بشراسة لجذب صناع المحتوى والاحتفاظ بهم.
في قلب هذه المعركة يقف عملاقان: “فيسبوك” (التابع لشركة ميتا) البراسخ بمنظومته الإعلانية الضخمة، و”إكس” (تويتر سابقاً) الذي يشهد تحولات جذرية في نموذج عمله تحت قيادة إيلون ماسك.
السؤال الذي يطرحه كل صانع محتوى محترف اليوم: أين يكمن العائد الاستثماري (ROI) الأفضل للوقت والجهد؟ هل هي الاستقرار والوصول الهائل في فيسبوك، أم الفرص الجديدة ونظام مشاركة العائدات المباشر في إكس؟
هذا المقال يقدم تحليلاً تقنياً مقارناً لآليات تحقيق الدخل في كلتا المنصتين، لتحديد ما هو الأفضل: الأرباح من فيسبوك وإكس (X) بناءً على معطيات السوق الحالية.
أولاً: فيسبوك (Meta).. عملاق الفيديو والمنظومة الإعلانية الناضجة
تعتمد استراتيجية فيسبوك في تحقيق الدخل لصناع المحتوى بشكل أساسي على الفيديو، مدعومة بواحدة من أعقد وأنجح المنظومات الإعلانية في العالم.
1. آليات تحقيق الدخل الرئيسية:
الإعلانات المضمنة في المحتوى (In-Stream Ads): هي حجر الزاوية في أرباح فيسبوك. يتم عرض إعلانات (قبل، أثناء، أو بعد) مقاطع الفيديو الطويلة ومقاطع “ريلز” (Reels).
الآلية التقنية: تعتمد الأرباح على نموذج CPM (التكلفة لكل ألف ظهور) ومشاركة العائد. فيسبوك يمتلك بيانات دقيقة عن المستخدمين، مما يسمح باستهداف إعلاني عالي الجودة، وبالتالي CPM مرتفع نسبياً في أسواق معينة.
النجوم (Stars): نظام “البقشيش” الرقمي، حيث يقوم المتابعون بشراء نجوم وإرسالها لصانع المحتوى أثناء البث المباشر أو على مقاطع ريلز.
الاشتراكات (Subscriptions): نموذج الدعم الشهري المتكرر من المعجبين مقابل محتوى حصري.
مكافآت الأداء (Performance Bonuses): برامج تعتمد على الدعوة، تكافئ صناع المحتوى بناءً على تفاعل المنشورات (صور، نصوص) أو أداء الريلز، وهي متغيرة وغير مضمونة للجميع.
2. عتبة الدخول (Eligibility):
تعتبر عتبة الدخول في فيسبوك مرتفعة نسبياً، خاصة للإعلانات المضمنة. تتطلب عادة حداً أدنى من المتابعين (مثلاً 5000 أو 10000 متابع) وعدد ساعات مشاهدة ضخم خلال فترة قصيرة (مثلاً 60,000 دقيقة في آخر 60 يوماً)، بالإضافة إلى الالتزام الصارم بسياسات تحقيق الدخل للشركاء.
3. نقاط القوة والضعف:
(بيئة مستقرة، أدوات تحليل عميقة (Creator Studio)، قاعدة مستخدمين هائلة (مليارات)، عوائد إعلانية مرتفعة للمحتوى الفيروسي الطويل.
(سلبيات): صعوبة تحقيق شروط الأهلية للمبتدئين، خوارزميات متقلبة قد تخفض الوصول العضوي فجأة، سياسات محتوى صارمة قد تؤدي لإيقاف الدخل بسهولة.

ثانياً: إكس (X).. الرهان على التفاعل اللحظي ومشاركة العائدات
منذ استحواذ إيلون ماسك على المنصة، تحولت استراتيجية “إكس” من الاعتماد الكلي على إعلانات العلامات التجارية الكبرى إلى نموذج “اشتراك المستخدمين” و”مشاركة العائدات مع الصناع” لتحفيز المحتوى الحصري.
1. آليات تحقيق الدخل الرئيسية:
مشاركة عائدات الإعلانات (Ads Revenue Sharing): هذا هو التغيير الجوهري في المنصة. تدفع “إكس” لصناع المحتوى جزءاً من الإيرادات الناتجة عن الإعلانات التي تظهر في قسم “الردود” (Replies) أسفل منشوراتهم.
الآلية التقنية: تعتمد الأرباح بشكل مباشر على كثافة التفاعل في الردود، وعلى كون المستخدمين الذين يشاهدون الإعلانات هم أيضاً مشتركون في خدمة “X Premium“. كلما كان النقاش “ساخناً” في الردود، زادت فرص ظهور الإعلانات وتحقيق الدخل.
الاشتراكات (Subscriptions): مشابهة لفيسبوك، حيث يمكن للمتابعين الدفع شهرياً مقابل محتوى حصري وشارات خاصة.
الإكراميات (Tips): إرسال أموال مباشرة عبر خدمات خارجية (مثل Bitcoin أو Patreon) مربوطة بالملف الشخصي.
دعم الفيديو (توجه حديث): تسعى “إكس” بقوة لمنافسة يوتيوب وفيسبوك في مجال الفيديو، وتشجع نشر المقاطع الطويلة مع وعود بعوائد إعلانية مجزية في المستقبل القريب.
2. عتبة الدخول (Eligibility):
تعتبر عتبة الدخول لبرنامج مشاركة العائدات في “إكس” أسهل نسبياً من فيسبوك من حيث “جهد الإنتاج”، ولكنها تتطلب استثماراً مالياً وتفاعلاً عالياً. الشروط الأساسية حالياً:
الاشتراك في X Premium (العلامة الزرقاء المدفوعة).
الحصول على 5 ملايين ظهور (Impressions) على الأقل لمنشوراتك خلال آخر 3 أشهر.
500 متابع على الأقل.
3. نقاط القوة والضعف:
(إيجابيات): عتبة دخول أسهل لمن يتقن صناعة المحتوى النصي الفيروسي (Threads)، دفعات مالية مباشرة مرتبطة بالتفاعل، حرية سقف أعلى في نوعية المحتوى مقارنة بفيسبوك.
(سلبيات): قاعدة مستخدمين أصغر بكثير من فيسبوك، العائدات متذبذبة جداً وتعتمد على ميزانية الإعلانات المتقلبة في المنصة، النظام يفضل بشكل كبير المشتركين في الخدمات المدفوعة، الشفافية أقل في كيفية احتساب العائد بدقة.
مقارنة تقنية حاسمة: الأرباح من فيسبوك وإكس (X) أيهما الأفضل؟
الإجابة ليست مطلقة، بل تعتمد على “نوع المحتوى” و”نموذج العمل” الخاص بك:
1. من حيث حجم الأرباح المحتمل (Scale):
فيسبوك يتفوق: إذا كنت صانع محتوى فيديو محترفاً قادراً على إنتاج مقاطع طويلة تحقق ملايين المشاهدات، فإن البنية التحتية الإعلانية لفيسبوك قادرة على توليد أرباح ضخمة لا يمكن لـ “إكس” مجاراتها حالياً في أعلى المستويات.
2. من حيث سهولة البدء ونوع المحتوى (Barrier to Entry & Format):
إكس يتفوق (للنصوص والأخبار): إذا كنت كاتباً، صحفياً، أو محللاً تعتمد على النصوص السريعة وسلاسل التغريدات (Threads) التي تثير النقاش، فإن “إكس” يوفر لك مساراً أسرع لتحقيق دخل من هذا التفاعل مقارنة بفيسبوك الذي يهمش المحتوى النصي لصالح الفيديو.
3. الاستدامة والموثوقية:
فيسبوك أكثر استقراراً: رغم تقلبات الخوارزمية، إلا أن نظام الدفع والسياسات في ميتا أكثر وضوحاً ورسوخاً. في المقابل، لا تزال “إكس” في مرحلة تجريبية وتغير قواعد اللعبة باستمرار.
في النهاية
لا يوجد “أفضل” مطلق.
اختر فيسبوك إذا: كان تركيزك الأساسي على الفيديو (ريلز أو طويل)، وتستهدف جمهوراً عاماً وواسعاً (Mainstream Audience)، ولديك القدرة الإنتاجية لتلبية متطلبات ساعات المشاهدة العالية.
اختر إكس إذا: كان محتواك يعتمد على النصوص، الأخبار العاجلة، التعليق السياسي أو الرياضي السريع الذي يولد نقاشات حادة في الردود، وكنت مستعداً لدفع اشتراك شهري كجزء من استثمارك.
التوصية الاستراتيجية للمحترفين: الاختيار بين الأرباح من فيسبوك وإكس بطريقة الاعتماد على مصدر دخل واحد هو مخاطرة كبيرة. الأفضل هو بناء تواجد قوي على كلتا المنصتين، مع تطويع المحتوى ليناسب طبيعة كل منصة (فيديو لفيسبوك، ونقاشات لـ إكس) لتعظيم الاستفادة من المنظومتين الاقتصاديتين معاً.
لا يسمح بنقل هذا المحتوى من سوالف دون الاشارة برابط مباشر





