منوعات

رؤية تقنية جريئة من Instagram في عصر الذكاء الاصطناعي

رؤية تقنية جريئة من Instagram في عصر الذكاء الاصطناعي
رؤية تقنية جريئة من Instagram في عصر الذكاء الاصطناعي

لم يعد السؤال اليوم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج صور وفيديوهات تشبه الواقع، بل إلى أي مدى أصبح هذا الواقع نفسه قابلًا للتشكيك. في هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس منصة Instagram لتكشف عن تحوّل فكري مهم في طريقة تعامل المنصات مع المحتوى المرئي، تحوّل يعكس حجم الأزمة القادمة: قد يصبح من الأسهل توثيق المحتوى الحقيقي بدلًا من محاولة كشف المحتوى المزيف.

هذه الفكرة تبدو للوهلة الأولى صادمة، لكنها في الحقيقة منطقية للغاية عند النظر إلى التطور السريع لأدوات التوليد بالذكاء الاصطناعي. الصور والفيديوهات التي كانت تُعد قبل سنوات خيالًا تقنيًا أصبحت اليوم تُنتج بكبسة زر، وبجودة تجعل حتى الخبراء يتوقفون للحظة قبل الجزم بمصداقيتها. هنا تحديدًا تنهار الفكرة التقليدية التي تقوم على ملاحقة التزييف وكشفه بعد وقوعه.

المشكلة التقنية الأساسية أن الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن ضبطها بقواعد واضحة. هو نظام يتعلم، ويتحسن، ويستفيد من كل محاولة فشل سابقة. كلما طورت المنصات أدوات لاكتشاف التزييف، تعلمت أنظمة التوليد كيف تتجاوزها. هذا السباق غير المتكافئ يجعل فكرة “الكشف عن المحتوى المزيف” لعبة خاسرة على المدى الطويل.

من هذا المنطلق، تطرح رؤية Instagram منطقًا معاكسًا: بدلًا من مطاردة كل ما هو مزيف، لماذا لا نُنشئ نظامًا يُثبت ما هو حقيقي؟ أي أن يصبح الأصل هو المحتوى الموثّق، لا العكس. في هذا النموذج، لا يُفترض بالمستخدم أن يشك في كل صورة يراها، بل يبحث عن دليل يؤكد أنها التُقطت في لحظة حقيقية بواسطة إنسان حقيقي.

تقنيًا، هذا التوجه يفتح الباب أمام حلول أكثر تعقيدًا وعمقًا. يمكن تخيّل وسائط تحمل بصمة رقمية مرتبطة بلحظة الالتقاط نفسها، تشمل بيانات المستشعرات، والتوقيت، وربما حتى توقيعًا تشفيريًا يصدر من الجهاز عند التصوير. هذه البصمة لا تهدف إلى منع التزييف، بل إلى منح المحتوى الحقيقي شهادة موثوقية.

رؤية تقنية جريئة من Instagram

لكن هذا الطرح لا يخلو من تحديات كبيرة. أولها أن الذكاء الاصطناعي نفسه قد يتعلم محاكاة هذه البصمات، أو إنتاج محتوى يبدو وكأنه يحمل كل سمات “الواقعية التقنية”. ثانيها أن ربط المصداقية بالبيانات التقنية قد يخلق فجوة بين من يملك أجهزة حديثة قادرة على التوثيق، ومن لا يملكها، ما يطرح أسئلة أخلاقية حول العدالة الرقمية.

على مستوى المستخدم، نحن أمام تحوّل نفسي لا يقل خطورة عن التحوّل التقني. الإنسان اعتاد لسنوات طويلة على التعامل مع الصورة باعتبارها دليلًا. صورة الحدث، صورة اللحظة، صورة الذكرى. لكن في عالم تتداخل فيه الخوارزميات مع الواقع، تبدأ هذه الثقة في التآكل. المستخدم لم يعد يسأل: ماذا أرى؟ بل: هل ما أراه حقيقي أصلًا؟

المفارقة أن المحتوى غير المثالي، الذي يحمل عيوبًا بشرية واضحة، قد يصبح في المستقبل أكثر مصداقية من المحتوى المصقول بعناية. الاهتزازات، الإضاءة السيئة، الزوايا غير المدروسة، كلها قد تتحول إلى إشارات إنسانية في مواجهة عالم رقمي شديد الإتقان. لكن حتى هذه الإشارات لم تعد آمنة، لأن الذكاء الاصطناعي يتعلم تقليد العيوب كما يقلد الكمال.

من زاوية أوسع، ما يحدث اليوم ليس مجرد نقاش تقني داخل منصة اجتماعية مثل Instagram، بل هو إعادة تعريف لمفهوم الحقيقة في العصر الرقمي. إذا فقدنا القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مولّد، فإن الثقة نفسها تصبح عملة نادرة. وهنا يتحول التحدي من كونه تقنيًا إلى كونه حضاريًا: كيف نحافظ على معنى “الواقع” في فضاء افتراضي متغير باستمرار؟

الخلاصة أن رؤية Instagram، رغم جرأتها، تعكس واقعية قاسية. الذكاء الاصطناعي لن يتراجع، ولن يصبح أقل قدرة، بل العكس تمامًا. وبالتالي، فإن الحلول التقليدية لن تصمد طويلًا. المستقبل قد لا يكون في كشف الزيف، بل في حماية الحقيقة نفسها، ومنحها أدوات تقنية تُمكّنها من الصمود وسط ضجيج المحتوى المولّد.

نحن لا نعيش فقط عصر الذكاء الاصطناعي، بل نعيش بداية عصر إعادة تعريف المصداقية. وفي هذا العصر، لن يكون السؤال: هل هذا المحتوى مزيف؟ بل: هل لدينا سبب كافٍ لنثق بأنه حقيقي؟

لا يسمح بنقل هذا المحتوى من سوالف دون الاشارة برابط مباشر

عرض اضافة المحتوى

Ayman abdallah

مؤسس ومدير تنفيذي لمشروع [محتوى] للمواقع العربية، مدير ادارة المحتوى في شركة Super App والرئيس التنفيذي ومدير التحرير والاعلانات لموقع سوالف سوفت.

اقرأ أيضا:

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى