
تحليل: ايمن عبد الله
يصلني يومياً سؤالًا متكررًا ومشروعًا: ما سبب ارتفاع أسعار الآيفون في مصر مقارنة بدول أخرى، حتى عندما يكون الفارق في الدخل واضحًا؟ الإجابة لا تكمن في عامل واحد، بل في منظومة اقتصادية ومالية وتجارية متشابكة، تتداخل فيها العملة، والضرائب، وسلاسل التوريد، وسياسات التسعير، وسلوك السوق المحلي.
سبب ارتفاع أسعار الآيفون في مصر
أول الأسباب وأكثرها تأثيرًا هو سعر صرف العملة. الآيفون منتج مُسعّر عالميًا بالدولار، وعند دخوله السوق المصري يتم تحويل سعره وفق سعر الصرف السائد، مع إضافة هامش أمان تحوطي من جانب المستوردين والتجار لمواجهة تقلبات العملة. هذا الهامش لا يُضاف عبثًا، بل يعكس مخاطر حقيقية ناتجة عن عدم استقرار سعر الصرف، وهو ما يرفع السعر النهائي على المستهلك.
العامل الثاني يتمثل في الرسوم والضرائب. الآيفون في مصر يخضع لمجموعة من الرسوم تشمل الجمارك، وضريبة القيمة المضافة، ورسوم تنظيمية أخرى مرتبطة بالاستيراد والتداول. عند جمع هذه النسب على السعر الأساسي، يظهر فارق واضح مقارنة بدول تعتمد سياسات ضريبية أخف على الأجهزة الإلكترونية، أو تقدم إعفاءات جزئية لدعم التحول الرقمي.
من زاوية تحليل البيانات، يتضح أن تكلفة الاستيراد لا تتوقف عند ثمن الجهاز فقط. هناك تكاليف الشحن، والتأمين، والتخزين، والتوزيع، وكلها تُحسب بالدولار أو بعملات أجنبية. ومع ارتفاع تكاليف النقل عالميًا في فترات متعددة، انعكس ذلك مباشرة على سعر الأجهزة المستوردة، وفي مقدمتها الهواتف الذكية مرتفعة الثمن.
عامل آخر لا يقل أهمية هو غياب التصنيع المحلي أو التجميع الرسمي. في دول تعتمد على تجميع الأجهزة محليًا أو لديها اتفاقيات تجارية خاصة، تنخفض تكلفة المنتج النهائي. أما في مصر، فالآيفون يُستورد كمنتج نهائي، ما يعني تحمّله كامل العبء الضريبي واللوجستي دون أي تخفيف ناتج عن التصنيع المحلي.

سياسات التسعير الإقليمي تلعب دورًا كذلك. شركة أبل تحدد أسعارًا استرشادية للأسواق، لكنها تترك مساحة للموزعين المحليين لضبط السعر وفق ظروف السوق. في سوق يعاني من تقلبات اقتصادية، يميل الموزع إلى تسعير حذر يضمن له الاستمرارية، حتى لو بدا السعر مرتفعًا للمستهلك.
من منظور سلوك السوق، يظهر عامل الطلب المرتفع رغم السعر. الآيفون في مصر يُنظر إليه ليس فقط كجهاز تقني، بل كرمز جودة وقيمة طويلة الأجل. هذا الطلب المستمر، حتى في ظل ارتفاع الأسعار، يقلل من الضغوط التي قد تدفع التجار إلى خفض هوامش الربح. طالما هناك مشترٍ، سيبقى السعر مرتفعًا نسبيًا.
كما لا يمكن إغفال تكلفة التقسيط والتمويل. نسبة كبيرة من مبيعات الآيفون في مصر تتم عبر أنظمة تقسيط، وهذه الأنظمة تتضمن فوائد أو رسوم تمويل غير مباشرة تُدمج في السعر النهائي. في التحليل الاقتصادي، السعر النقدي غالبًا أقل من السعر المُقسط، لكن السوق يتعامل مع المتوسط المرتفع كمرجع عام للسعر.
من العوامل الخفية أيضًا مخاطر السوق. التاجر في بيئة مستقرة يستطيع العمل بهوامش أقل، أما في بيئة مليئة بالتغيرات، فإن السعر يشمل علاوة مخاطر. هذه العلاوة تعكس احتمالات ارتفاع التكلفة مستقبلًا أو صعوبة إعادة الاستيراد بنفس الشروط.
- اخبار تقنية على هاتفك كل يوم تابع قناة سوفت علي تليجرام
عند مقارنة مصر بدول أخرى، يتضح أن الفارق السعري لا يعني بالضرورة وجود مبالغة متعمدة، بل اختلاف في الهيكل الاقتصادي نفسه. دول ذات عملة مستقرة، وضرائب أقل، وسلاسل توريد أقصر، ستبيع الآيفون بسعر أقل حتى لو كان متوسط الدخل أعلى.
الخلاصة أن سبب ارتفاع أسعار الآيفون في مصر يعود إلى مزيج من العوامل الاقتصادية والمالية والتنظيمية، وليس إلى قرار واحد أو جهة واحدة. السعر النهائي هو نتيجة تراكمية لمنظومة كاملة تبدأ من الدولار ولا تنتهي عند المستهلك.
ومع أي تحسن في استقرار العملة، أو تخفيف في الرسوم، أو توسع في التصنيع المحلي، يمكن أن نشهد تغيرًا حقيقيًا في هذا الواقع. حتى ذلك الحين، سيظل الآيفون في مصر جهازًا عالي القيمة… وعالي السعر في الوقت نفسه.
لا يسمح بنقل هذا المحتوى من سوالف دون الاشارة برابط مباشر





