الذكاء الاصطناعي يحيل الدفاعات السيبرانية التقليدية إلى التقاعد القسري

في تحذير شديد اللهجة للمؤسسات والحكومات حول العالم، كشف تقرير أمني شامل صدر مؤخراً أن أدوات الدفاعات السيبرانية التقليدية التي اعتمد عليها العالم لعقود باتت تواجه خطر “التقادم الفوري” أمام جيل جديد من الهجمات المعتمدة كلياً على الذكاء الاصطناعي. وأشار التقرير، الذي استند إلى بيانات تحليلية لآلاف الهجمات خلال الأشهر الماضية، إلى أن القراصنة لم يعودوا بحاجة لكتابة أكواد معقدة يدوياً، بل أصبحوا يستخدمون نماذج لغوية متطورة لتوليد برمجيات خبيثة قادرة على “تغيير شكلها” (Polymorphic Malware) في كل مرة يتم رصدها، مما يجعل أنظمة الكشف التقليدية القائمة على التواقيع (Signatures) عمياء تماماً أمامها.
وتوضح البيانات أن الفجوة الزمنية بين اكتشاف الثغرة واستغلالها قد تقلصت بشكل مرعب، لتصل في بعض الحالات إلى دقائق معدودة بدلاً من أيام أو أسابيع. هذا التسارع المذهل يعود لقدرة الذكاء الاصطناعي على مسح الشبكات وتحليل نقاط الضعف وتنفيذ الهجوم “بسرعة الآلة” (Machine Speed)، وهي سرعة تفوق قدرة أي فريق استجابة بشري على التدارك. ويؤكد الخبراء أن الاعتماد على العنصر البشري وحده في مراكز العمليات الأمنية (SOC) لم يعد كافياً، حيث يواجه المحللون طوفانًا من التنبيهات الكاذبة والهجمات الحقيقية المتخفية بذكاء، مما يؤدي إلى حالة من “الإرهاق الرقمي” تزيد من احتمالية الخطأ.
الذكاء الاصطناعي يواجه الدفاعات السيبرانية التقليدية
وما يزيد الطين بلة هو استخدام المهاجمين لتقنيات “التزييف العميق” (Deepfakes) الصوتية والمرئية لاختراق التحقق من الهوية، متجاوزين بذلك الدفاعات وحواجز الأمان البيومترية التي كانت تعتبر حتى وقت قريب حصناً منيعاً. فقد رصد التقرير حالات ناجحة لاحتيال مالي ضخم تم فيها استنساخ أصوات مديرين تنفيذيين لإصدار أوامر تحويل أموال عاجلة، في سيناريوهات كانت تبدو خيالية قبل سنوات قليلة. هذا التطور يضع البنوك والمؤسسات المالية أمام تحدٍ وجودي يفرض عليها إعادة اختراع مفاهيم الثقة والتحقق من الصفر.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر تضرراً من هذا التحول، حيث لا تملك الموارد المالية لتبني أنظمة دفاعية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمواجهة الهجمات المماثلة. هذا الواقع يخلق “فجوة أمنية” هائلة قد تؤدي إلى سلسلة من الانهيارات في سلاسل التوريد العالمية، حيث غالباً ما تكون هذه الشركات الصغيرة هي البوابة الخلفية لاختراق الكيانات الكبرى. ومن هنا، يخلص الخبراء إلى أن الأمن السيبراني لم يعد مجرد “تثبيت مضاد فيروسات”، بل أصبح سباق تسلح مستمر يتطلب تبني الذكاء الاصطناعي الدفاعي كضرورة حتمية للبقاء.
وفي الختام، يضعنا هذا الواقع الجديد أمام حقيقة لا مفر منها: نحن نعيش الآن في عالم تدار فيه الحروب السيبرانية بواسطة خوارزميات تتطور ذاتياً. البقاء للأذكى وللأسرع، وليس للأقوى. إن التحدي القادم ليس تقنياً فحسب، بل هو تحدٍ استراتيجي يتطلب إعادة هيكلة شاملة لطريقة تفكيرنا في المخاطر، حيث العدو لم يعد يجلس خلف شاشة في قبو مظلم، بل أصبح كوداً ذكياً يجوب الشبكة بلا توقف.
لا يسمح بنقل هذا المحتوى من سوالف دون الاشارة برابط مباشر





